والداعي إليه، فلنتبه لهذا في الدعوة إلى الله تعالى، لأن وعاء الحق يجب أن يكون حقًا وملائما للحق، وإلا أفسد الحق وضره، وفي هذه الآية جعل معيار الباطل هنا هو ترك الصالحين له، فقال سبحانه: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا} ؛ إذ يكفيه أنه باطل أن الله يمقته، وأن المؤمنين يمقتونه كذلك.
لكن هاهنا بيان وجه صواب الجدال بالحق، وهو وجود سلطان له، وهو الدليل والبينة له، فمن جادل بلا سلطان إنما يجادل بالباطل، وما هي عنده إلا أهواء نفوس لا غير.
ما هي حجة هؤلاء في جدالهم بالأهواء؟
الجواب في فاصلة هذه الآية، وهو قوله: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} ، إنه الأنا فقط؛ إذ يظن أن مجرد أن يقوله هو أن يكون هو الحق، وهذا هو تأليه النفس، وهو منازعة الله تعالى في صفتاه، بل في أخص صفاته وهي الكبرياء، وهذا الكبر مظهره بعد ذلك -بل سببه قبل ذلك- أنه جبار؛ فهو يدفع بالأقوال كما يريد، ولا يريد أن يدافع في قوله، لأنه متكبر، فإن نوزع وحوجج؛ كان جبارًا في سلطانه وتعامله.
لعرض هذه الصورة من التكبر والغرور والظلم وطغيان المرء بسلطانه جاء قوله تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} .
هذا الطغيان، وهذا الغرور السلطان والقوة هو سبب صده عن تلحق؛ فقال تعالى: {وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ} ، وهذا لمن تأمله علم أن الباطل ليس حالة فكر أبدًا، با هو حالة غرور وطغيان، وهو ظل الأهواء ولا غير.
لكن أهظم ما يخوف هنا هو قوله تعالى: {زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ} ، وطالب العلم أخوف ما في القرآن له قوله تعالى: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} .
هل تتصور بعد ذلك هذا المجادل بالباطل كيف سيكون؟