بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛
عند قوله تعالى في سورة الأنعام: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} ، وقع نزاع حميد بين الإمامين في سبب ورود الفعل بين اسمي الفاعل، فقوله: {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} أتى باسم الفاعل، وكذلك في قوله: {وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} ، ولكنه في الوسط أتى بالفعل المضارع: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} .
أما الزمخشري فقد مال إلى أن قوله: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} تفسيري لقوله: {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} ؛ حيث -جل في علاه- يفلق الحب والنوى فيخرج منها الزرع، فهذا هو إخراج الحي والميت، واستشهد لهذا بقوله: {يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} ، إذ نسب الحياة والموت للأرض بما فيها من أعمال، ثم جعل قوله تعالى: {وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} معطوفة على مثلها من اسم الفاعل: {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} ، وبهذا لم يأت لسبب بلاغي فيها ينشر فيها بعض هناته الرائعة التي اعتادها الناظر لتفسيره.
لم يعجب ابن المنير بهذا التخريج السهل، بل ذهب لتخريج معاني مهمة من هذا التلون في الخطاب، فقال بأن القرآن كثيرًا ما يقرن بين إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي كما في قوله تعالى: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} ، وقوله: {أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ} ، فدل هذا عنده أنهما توأمان مقترنان، وبالتالي يبعد قطعهما هنا في سورة الأنعام، ويبعد رد {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} تفسيرًا لـ {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} .
وحيث لم يقبل وجه ما أتى به الزمخشري فإنه ذهب إلى أن هذا من التنوع والتلوين الذي له مقصد الإظهار، وقال بأن مراد القرآن في هذا هو إرادة تصوير إخراج الحي من الميت واستحضاره في ذهن السامع، ذلك لأن الفعل أقوى في تحقيق هذا المراد، واستشهد بما قال سابقًا في تعليقه على الزمخشري بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} ؛ فالسياق قد ابتدأ بالفعل الماضي: {أَنْزَلَ} ثم لون إلى المضارع: {فَتُصْبِح} ، وكذلك في قوله تعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً} ، فكان السياق ابتدأ بالفعل: {يُسَبِّحْنَ} ، ثم لون إلى اسم المفعول {مَحْشُورَةً} ، وكل ذلك لإبراز ما صيغ بفعل أكثر مما صيغ بغيره، لأن