فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين. أما بعد؛

فقد وقف أهل العلم عند تغير حروف المعاني في آية مصارف الزكاة، في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ} ، وقال الزمخشري كلاما رائعا تناقله الكثير من بعده؛ كصاحب (البحر المحيط) مع تعقبه له في مواطن -بحق وبغلط-، وكصاحب (المنار) ، والقاسمي وغيرهم، وهو كلام يستحق الوقوف عنده.

ثم لما جاء أحمد بن المنير في إنصافه وتعقبه للزمخشري؛ جاء بكلام أروع وأحلى من كلام الزمخشري، وها نحن نسوق كلامهما بلا تعليق ولا تعقيب لروعته وسلامته.

قال الزمخشري:"فإن قلت: لِمَ عدل عن اللام إلى"في"في الأربعة الأخيرة؟ قلت: للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره؛ لأن"في"للوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات، ويُجعلوا مظنة لها ومصبًّا، وذلك لما في فك الرقاب من الكتابة أو الرق أو الأسر، وفي فك الغارمين من الغرم من التخليص والإنقاذ، ولجمع الغازي الفقير أو المنقطع في الحج بين الفقر والعبادة، وكذلك ابن السبيل جامع بين الفقر والغربة عن الأهل والمال، وتكرير"في"في قوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ} : فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين".

عقب على هذا الكلام أحمد بقوله:

"وثم سر آخر هو أظهر وأقرب، ذلك أن الأصناف الأربعة الأوائل ملاك لما عساه يدفع إليهم، وإنما يأخذونه ملكا، فكان دخول"اللام"لائقا بهم، وأما الأربعة الأواخر فلا يملكون ما يصرف نحوهم، بل ولا يصرف إليهم ولكن في مصالح تتعلق بهم، فالمال الذي يصرف في الرقاب إنما يتناوله السادة المكاتبون والبائعون، فليس نصيبهم مصروفا إلى أيديهم حتى يعبر عن ذلك باللام المشعرة بتملكهم لما يصرف نحوهم، وإنما هم محال لهذا الصرف والمصلحة المتعلقة به. وكذلك الغارمون إنما يصرف نصيبهم لأرباب ديونهم تخليصا لذممهم لا لهم. وأما سبيل الله فواضح فيه ذلك، وأما ابن السبيل فكأنه كان مندرجا في سبيل الله، وإنما أفرد بالذكر تنبيها على خصوصيته مع أنه مجرد من الحرفين جميعا،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت