فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛

عند قوله تعالى في سورة الروم: {وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}

قال جار الله أبو القاسم الزمخشري:"وقوله: {يَعْلَمُونَ} أي الثانية، وهي في قوله تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} بدل من قوله: {لَا يَعْلَمُونَ} "، والمقصود أن قوله: {يَعْلَمُونَ} ، هو عين قوله: {لَا يَعْلَمُونَ} ، ويشرح أبو القاسم سبب هذا الأمر، وكيف صار العلم هو عين عدم العلم، فيقول:

"وفي هذا الإبدال من النكتة أنه أبدله منه، وجعله بحيث يقوم مقامه، ويسد مسده، ليعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل، وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا".

ثم يأتي إلى قوله: {ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} فيقول:"يفيد أن للدنيا ظاهرًا وباطنًا؛ فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها والتنعم بملاذها، وباطنها وحقيقتها أنها مجاز إلى الآخرة، يتزود منها إليها بالطاعة والأعمال الصالحة."

وفي تنكير الظاهر {ظاهرًا} أنهم لا يعلمون إلا ظاهرًا واحدًا من جملة الظواهر". انتهى كلام الشيخ."

علق ابن المنير على هذا الكلام قائلًا:

"وفي التنكير تقليل لمعلومهم، وتقليله يقربه من النفي حتى يقابل المبدل منه، وروي عن الحسن أي البصري أنه قال في تلاوته هذه الآية: بلغ من صدق أحدهم في ظاهر الحياة الدنيا أنه ينقر الدينار بأصبعه فيعلم أجيد أم رديء".

انتهى كلامه -رحمه الله-.

قلت سورة الروم هي سورة النِّعم، وسورة يوم القيامة، فقد تكرر فيها قوله تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ} ، كما تكرر فيها قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ .. } ، ولا يوجد في عمود مقصدها إلا هذين الأمرين، فما قاله الزمخشري مرتبط بعمود مقصد السورة، فهو تنبيه للمؤمن ألا يقف عند النعم من غير نظر للعواقب والمآلات، ولو أردنا أن نربط هذا المعنى بمطلع السورة: {غُلِبَتِ الرُّومُ} ؛ لرأينا أن وجه الجمع هو تغير الحال على الفريقين؛ فالفرس قد غلبوا الروم، ثم سيؤول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت