بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛
فقد حوت سورة المائدة العمد الداخلية لحزب الله تعالى، وهو رد على الذين يريدون التجميع بلا دين ولا تقوى، ورد على من يريد بيعة الناس على الرجال والأسماء بلا معالم الدين والهدى، وهذا غلب على المتأخرين، وفي زماننا صار أكثر، فإن الحزب الإلهي الذي يستحق النسبة له -جل في علاه- لا يكون كذلك حتى يكون أساس الصلة بين الناس فيه هي القائمة على عبوديتهم لرب العالمين، ولذلك قال تعالى في سياق قوله وإخباره عن حزب الله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} ، وحين أخبر -جل في علاه- عن صفة الوارثين لحكم الأرض قال تعالى في سورة الحج: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} ، وكلما زادت هذه الصلة -أي التي بينهم وبين الله تعالى- زادت صلتهم حبًا لله تعالى، وزاد حب الله تعالى لهم، وبهذا يوضع لهم القبول في الأرض، ولا يفر الناس منهم هربًا من بطشهم وسوء دينهم وقسوتهم على الخلق، فلا يعرف في تاريخ الأمة أن هرب الناس من حكم الشرع حين يروه ويرون رحمته وشفقته عليهم، وإنما يهربون من الجور والظلم وسوء دين الناس، ولذلك جعل الله تعالى صراخ الناس طالبين الجهاد لا هاربين منه، كما قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} ، وهذه الآية رد على من زعم أن الجهاد يفسد حياة الناس، نعم هو يفسد حياة المترفين واللصوص والملأ القذر الممتلئ بالشر والربا والسرقة وظلم الناس، وهؤلاء يهربون من حكم الله لأنه يقتص منهم، وأما الفقراء فلا يخسرون أبدًا بالجهاد إن قام على سوق صحيحة، لأنه يقضي على الظلم ويرد الحقوق لأهلها، كما يجد الفقراء بهذا الجهاد سعتهم وحياتهم ورزقهم من أموال الظلمة الكفرة.