فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 275

-أولاهما: أن الولاء أصله أمر قلبي، وهو علاقة خفية بين العبد وربه، والخيانة للمؤمنين تنشأ في الخفاء، وهي تضاد الولاء وتنقضه، ولا يمنع المؤمن من إتيان هذا الفساد إلا علمه بأن الله يعلم سره وخفاءه، فكان مناسبا أن يذكر أمر الحزب القائم على الولاء في سياق علم الله تعالى لما يخفي العبد.

-وثانيهما: أن الأحكام الداخلية في الجماعة المؤمنة يقابلها على العموم في القرآن ما يجري من أحكام خارجية مع الأعداء، وهذا بيِّن في سورة الأحزاب، فقد جاء بعد تفصيل غزوة الأحزاب وما جرى فيها حديث عن البيت النبوي الشريف، وما فيه، وأحكامه، وما يصلحه، فهذا وجه مهم في مقابلة الوجه الذي يقابل المسلمون فيه أعداءهم، لا يستقيم أحدهما إلا بالآخر.

وهذا يفتح باب البناء القرآني لسورة النور، حيث جاء ذكر الاستخلاف فيها بعد الحديث عن احكام المرأة والرجل، وما يترتب على المؤمن من أحكام في هذا، وهذا يجعل للحديث صلة إن شاء الله تعالى.

إضاءة: إن تأملت هذا المعنى الذي ذكرته لك في بيان سبب ورود الولاء والبراء في سورة المجادلة وجدت السبب الذي خص فيه حزب الله تعالى بحكم الفلاح، كما قال تعالى: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، لأن الأمر أمر علاقة ربانية، وعطاء إلهي بسبب الخوف منه، ومراقبة عينه -جل في علاه-، وأما ورود كلمة الغلبة في سورة المائدة؛ فلما يقابلها من ذكر اليهود والنصارى، وشأن العلاقة معهم ومع المشركين هي الجهاد، فلاءم ذكر الغلبة دون غيرها، هذا ولعلة أخرى والله أعلم، وهي أن الغلبة قد ذكرت قبل في سياق هذا الأمر في نفس السورة في قوله تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} ، وحين يفرغ القرآن من ذكر شيء في السورة الواحدة فإنه لا يكرره بل يأتي بتأسيس علم آخر غيره، كما في مواطن متعددة منه، ومثاله ما ورد في البقرة من قوله تعالى: {وَالْعَاكِفِينَ} ، وفي سورة الحج: {وَالْقَائِمِينَ} ، ذلك لأن العكوف قد فرغ منه في سورة الحج بما تقدم من قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} ، فذكر العكوف فلم يأت إليه بعد، بل ذكر جديدا وهو القيام، وكذلك قدم زكريا -عليه السلام- ذكر كبره في سورة آل عمران على ذكر العجوز -أي زوجه-، وفي سورة مريم ذكر عجزها قبل كبره، ذلك لأنه قدم العجز قبل في قوله تعالى عنه وهو يناجي ربه: {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} ، فحيث تقدم ذكره لم يجعله رأسًا في الخطاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت