فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى وأصحابه أجمعين. اما بعد؛

فالدين في حياة البشرية جمعاء هو أعظم ما يشكل اختياراتهم وإراداتهم، ولم تبن أمة من الأمم من غير اعتقاد، وكل محاولات الانفلات من الدين لتشكيل حضارة ما أو انبعاث جماعة من الجماعات باءت بالفشل، لأن التدين أمر فطري كامن في النفس البشرية باعتبار سلوكها الفردي أو الجماعي، وهناك من قال بأن هدم الدين من خلال الدين هو تعميق لمفهوم الدين نفسه، فأراد أن يهدمه من خارجه كما يفعل أصحاب العلمانية الصلبة كما يسمونها، إلا أن هؤلاء لم يخرجوا من جحورهم ولم يستطيعوا السير ولو خطوة واحدة نحو أهدافهم، وهناك من قال: إنه لا يتحقق هدم الدين إلا من خلال الدين نفسه، وهؤلاء هم من حذر القرآن منهم، لأنهم يقومون بمخاطبة الفطرة لتستقر على غير الحق وهي مطمئنة بأنها تمارس الحق والهدى، ولذلك كان التأويل بصورتيه -كما تقدم ذكرها في فوائد سورة الأعراف- هو السبيل الأنجح عندهم لتحقيق المعصية من خلال النص نفسه، وهذا ما يمكن تسميته بشرعنة المعصية؛ أي إسباغ ثوب الشرع على المعصية، وبهذا تتغلغل في نفوس الناس وتستقر، وفي تاريخ البشرية كانت هذه الجريمة هي الأقوى فعلًا وأثرًا، كما ذكر الله تعالى عن إشراك قوم نوح في قوله: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} ، وهؤلاء كانوا رجالًا صالحين، وأقام الناس على قبورهم القبور وشيدوها، ثم بتطور بين الأجيال جعلوها آلهة معبودة من دون الله، فمدخل الشرك هو الدين نفسه، وذلك بحرف حقائقه عن معانيه الصحيحة، وهكذا لم يمنع القرآن حصول التأويل -أي التحريف له- مع منعه من حصول التحريف اللفظي له، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} ، فقد يحصل التأويل والتحريف لمعانيه كما هو معنى هذه الآية، وهذا هو أعظم ما يفسد الدين ويقلب تدين الناس لربهم إلى تدينهم وعبادتهم للشيطان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت