بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛
فذو القرنين شخصية إيمانية قرآنية، تحدث القرآن عن مجال حركته الجهادية الجغرافية، وقد حاول العلماء بالتواريخ تحديد شخصيته، فمن القدماء من قال أن اسمه الاسكندر، ولا يقصدون المقدوني المشرك الذي كان على دين الوثنية اليونانية، بل يقصدون شخصًا آخر، وجاء أبو الكلام أزاد المؤرخ الإسلامي الهندي واجتهد أنه كورش الفارسي وكتب في هذا كتابًا، وذكر فيه أدلته، والصواب عندي أنه كان قبل كتابة التاريخ، فليس هو واحد مما قالوا، ولا وجود له في كتب التاريخ لقدمه ولا يعرف شأنه إلا من القرآن، وهو عندي رجل موحد مجاهد يمني، وذلك لأمور:
أن نسبة (ذو) التي هي في اسمه مشهورة لأهل اليمن، وذلك كذي النواس صاحب الأخدود المذكور في القرآن في سورة المعارج، وذي يزن الملك اليمني المشهور بطلب ملك أبيه والذي كان سببًا لدخول الفرس اليمن وحكمهم إياها حتى طهرها الإسلام منهم، وغيرهم، فهذه نسبة لملوك اليمن، وهذا ذو القرنين، فهو منهم، وهو دليل أنه عربي لا غير واليمن أصل العرب.
ومن الأدلة على أنه من عمق الجزيرة العربية ما ذكره الله تعالى من مسيرته الجغرافية، إذ ذكر أنه توجه ابتداءً إلى مغرب الأرض، والمقصود مغرب العالم القديم يومذاك، وهذا المغرب الذي وصله هو ما يقال له اليوم هولندا، وهي تسمى بالأرض الواطئة، وطبيعة هذا المكان أنه لغوره في الأرض إذا نزل المطر في الشتاء تحولت أرضه لبحيرة، ثم تبدأ بالجفاف بعد ذلك، وخلال هذا الجفاف تكون أرضًا كما وصفها القرآن (حمئة) ، وهذا حين وصول ذي القرنين إليها، فقال سبحانه: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} ، وهذا دليل أن الدعوة وصلت لأهل تلك البلاد كما ذكر القرآن، والمقصود أنه لو كان في غير هذا الموطن من الجزيرة العربية بل عمقها أي اليمن لاختار لحكمته الابتداء بغير هذا الاتجاه.