فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله ومن والاه. أما بعد؛

فعلى الرغم أن غزوة تبوك قد امتدت شهرًا وزيادة من الصبر والغربة وقطع القفار، وبلاء الجوع والعطش؛ فإن الله سماها ساعة، كما قال تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} .

وذلك أن القرارات العظمى في جلالها، وطول وقتها إنما تكون بحسم الإرادة في لحظة، فامتداد زمن الغزوة يكمن في تلك اللحظة التي انتصرت فيه إرادة النفير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتلك اللحظة تحوز في داخلها الزمن الطويل والفعل الجليل.

حياة المرء لحظة انتصار إرادة أو انهيار إرادة، فإياك أن تغفل أنك في كل قرار إنما تحكم على نفسك بالإيمان أو الكفر، أو بالصلاح أو الفساد؛ فإما يتوب الله عليك بأن يحميك من الهلاك، أو توبق نفسك في الشر والعذاب.

في هذه الآية سمى الله العصمة من خطأ قرار الإرادة توبة كما قال: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ} الآية، وسمى الله مغفرة الذنب بعد اقترافه توبة كما في الآية التي تليها: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ... ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا} ، وشتان ما بين المرتبتين من الجلال وقرب العبد من ربه؛ فالأوائل هم النبي - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرون والأنصار، وكفى بهذا تعظيمًا وقربًا، ثم إنه جعل اسميه سبحانه"الرؤوف الرحيم"هما الأليق في التعامل مع هذه المرتبة مع ما أصابهم من الشدة والبلاء، فدلَّ على أن ترك النفير والجهاد هو خروج عن موجب الرأفة والرحمة، وهي مرتبة تحتاج التوبة والإنابة، كما قال تعالى: {لِيَتُوبُوا} ، فانظر في أي المقامين أنت.

فاصلة وخاتمة المرتبة الأولى هي خاتمة وفاصلة قوله تعالى في ختام السورة: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيم} ، لكن الأولى هي وصف الرب، والثانية وصف الرسول، ليعلم الناس أن من أمرهم من قادتهم بالجهاد والنفير هو بهم رؤوف رحيم، فإن أجابوا فقد استحقوا الرحمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت