فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد نبي الله تعالى الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛

النصر مع الدين حالة أخرى غير ما نراه من حالات الغلبة مع غير هذا الدين، ذلك لأن الكافر في نصيبه كما سماه الله تعالى: {وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ} لا يحصل إلا في هذا النصيب إلا العبرة، والفهم في جريان السنن الإلهية، ولكن مع المؤمنين هناك العطاء الإلهي، وهناك الحب والبركة والتأييد والدخول في آيات كثيرة تدل أن النصر مع المؤمنين هو دخول في حالة من الرضى الإلهي والقبول لمن حققه والحب له.

أهل بدر حصل لهم النصر، فكان النصر هذا دليل حب إلهي لهم، حتى قال الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم) ، والله يقول عن الفتح: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} ، وأما ما حصل لمن معه من مستحقي هذا الفتح فقال سبحانه: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا} ؛ فالنصر في عالم الجهاد والدعوة ليس فقط تحقيق غلبة دنيوية لكنه يعني رضى الله تعالى عن هؤلاء القوم، وقبوله لهم، وإدخالهم في عالم الأولياء والصالحين؛ ولذلك لا بد من توافق الفعل الشرعي من المجاهد مع الفعل الالهي من الاصطفاء لنوع هؤلاء المجاهدين الذين يستحقون هذا النصر.

في غزوة بدر تم الاصطفاء القدري لنخبة تستحق في عالم الغيب دخولها في ديوان البدرية، وهذا فعل قدري وقع فيه الاصطفاء من غير قرار قائد له، كما ورد في الأثر من قوله - صلى الله عليه وسلم: (هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها) ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-:"فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعض وذاك أنهم ظنوا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلقى حربًا".

فها أنت ترى الاصطفاء الإلهي لهذه الموقعة، وهذا ما تحقق بعينه في تبوك حيث وقع الاصطفاء الإلهي لمن أسبغ الله عليهم توبته بقوله: {لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ} ، فالنصر في هذا الدين ليس معنى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت