دنيويًّا به يتحقق الغلبة على الأعداء فقط؛ لكن فيه معنى القبول والمغفرة والرضى، ولذلك كان هذا الإجراء من ملك مسلم عظيم، مدحه الله تعالى بملكه لبسطة العلم والجسم، ألا وهو طالوت:
في سورة البقرة ذكر الله قصة بني إسرائيل من بعد موسى وكيف طلبوا ملكًا يقاتل بهم في سبيل الله تعالى، وجرت فتن عظيمة يكون الناس فيها في حالة ابتلاء لكل الصور التي بها يتساقط من لا يستحق النصر، أي المغفرة والتوبة والولاية والرفعة والاصطفاء، فكانت فتنة نوع هذا الملك، فحيث قال لهم نبيهم اختيار ربهم تعالى لطالوت؛ جاء الاعتراض: {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ} و {أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ} ، وهذا خطاب الملأ، كما تقدم في قوله تعالى عنهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ} ، فهؤلاء ملأ لهم قيمهم في القيادة: قيمة الثراء والمال، وواضح أنهم يريدون إجراء الاصطفاء على وفق هذه القيم؛ فهم مجتمع تجاري مالي يقدم فيه أصحاب الأموال والثراء لقيادة الجهاد، وهذا لا يحقق النصر، يعني ليس بهذا يتم الاصطفاء والتوبة والولاية. وقد عرضوا بأمور خفية في قولهم: {وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ} ، وهذه قيم الجاهلية الفاسدة كقيمة العرق والعشيرة والأصل، ومثلها في يومنا القطرية وتقسيمات الدول الجاهلية؛ فهذه إن قدر الله لها حكم الجهاد يعني عدم استحقاقها النصر، فكيف يرضى الله تحقيق نصر لدينه يدخل به أهل هذا النصر تاريخ التأييد الإلهي بقائد اختير على وفق فيم الجاهلية، أو كانت قيم الجهاد هذا على وفق هذه القيم القذرة؟
وقد جرت أمور من التصفية الشرعية والقدرية لهذا الجيش ليتحقق النصر، كانت كلها تسقط جموعًا من الاحقين به على معنى ما قالوه: {وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} ، فكان بعد أن جاء الأمر بالقتال أن قال الله في وصفهم: {تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ} ، ولكن هل مجرد اللحوق والقبول بالقتال كافٍ في الدخول في الصالحين؟
ليس هذا كافيا، فكانت فتنة القيادة، وما تقدم من الذكر.
ثم لما سار بهم، فجاءت تصفية أخرى، هي فتنة النهر: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ} ، فهؤلاء جنود قد أعدوا لأمر القتال، فهم في الظاهر قد اكتمل شأنهم، فبقيت فتنة البواطن في امتثال القوة الإيمانية، فابتلاهم الله بالنهر: