فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 275

{فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} ، فكان أن سقطت جموع: {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ} .

ثم جاءت غربلة أخرى حين وصلوا فرأوا الجموع، هذا مع أن القرآن وصف الواصلين لصف القتال بقوله: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} ، فهم مؤمنون، إلا أن البعض قال: {لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} ، وللقارئ أن يتصور دسيسة تلك الكلمة منهم اليوم؛ فهي تخفي ظلال الخوف الحاضر، ليتكئ عليها هؤلاء عند المباحثة، ذلك بأنهم لا يعطلون الجهاد، ولا يبطلونه، ولكنهم يؤجلونه، مع أن موجبه قد حضر، وهذا شأن النفس الذكية في ستر صرفها الواجب عند حضوره، لا بإظهار إماتته ونسخه، لكن تحت ظلال حكمة التأجيل لتحصيل أسباب النصر، فيما يزعمون.

ولهؤلاء يقال: إن كانت القضية قضية جموع وكثرة؛ فلم وقع الإبعاد لجنود سبق لهم الإعداد فطردوا من الصفوف، قدرًا أو شرعًا بما تقدم من الفتن كفتنة النهر؟

لهؤلاء أن يقولوا للجهاد: ليس اليوم، بل نعود ونحضر جنودًا أخرى.

في جواب الفئة القائدة والمبصرة لأمرين هما في قوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} :

-أولاهما: حسن العلاقة مع الله والثقة به: {يظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ} ، وهذه عدة الذهاب إلى الموت دون جزع ولا خوف.

-وثانيهما: قراءة التاريخ والاعتبار به: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً} .

أقول: في جواب الفئة المؤمنة قراءة لحدث النصر، وأنه في هذه الموقعة قد قدر الله له أسبابه، فعندما تأتي الفتن ولا تستأصل الجموع، يعني أن الخالص من هذه الجموع بعد الفتن سيحقق الله به النصر.

في هذا لمن تفكر بيان الفرق بين ما يقدر الله تعالى من أقدار هي بيئة النصر الإلهي، أي بيئة العطاء والاصطفاء، وبين ما يظنه الناس من أسباب النصر عنده:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت