الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛
ففي آيات متعددة أمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالصبر، وقد أعقب الأمر بالصبر في مواطن بأمرين كل على حدة:
-أولاهما: كثرة الذكر من التسبيح والاستغفار، وذلك كقوله تعالى: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} ، وقوله تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} وهذه الآية من سورة غافر، وقد تكرر الصبر مرة أخرى بعد ذلك فيها في قوله تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} ، ذلك بأن الصبر في الأولى كان بعد ذكر خبر النصر لأنبيائه في قوله تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} ، وكان الأمر بالصبر في الثانية بعد ذكر أمر الآخرة وارتقابه كما هو بيّن من قوله تعالى: {إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ} ، فدلّ أن الصبر يكون على أمرين: على ارتقاب الوعد، وعلى فعل الطاعات من الجهاد والدعوة والعلم، وجاء الصبر على فعل الطاعات من مجاهدة الخصوم فيه الأمر بالذكر كما هو شأن الحالة الأولى من وجوب مرافقة الصبر للذكر.
-أما الأمر الثاني المرافق للصبر فهو تذكر السابقين من المبتلين ليحصل العبرة وتقوية القلب وثباته، وهذا في قوله تعالى: {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ} ، وذلك تطبيقًا لقوله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} .
ومما يرافق الصبر كذلك ويقويه: هجر مكان السفه والسفهاء، كما في قوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} ، فإن البقاء في مكان الألم مرهق للنفس متعب لها.
ولكن هذا عمل سلوبي كما يقولون، وما تقدم عمل وجوبي فيه الفعل المرافق، وهذا له تعلق ببيئة الصبر المعينة، وما تقدم من أمر الذكر وحضور مثال الصبر للعبرة وتقوية القلب.