بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛
فأي قراءة لكلام الله تعالى الحق خطأ تورث أحد سبيلي الباطل: إما الكفر بالآيات، وهذا مما حذر منه علي -رضي الله عنه- وقال:"حدثوا الناس بما يعقلون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله!"، وإما أن يؤمن القارئ بالباطل الذي فهمه، وينسبه للقرآن خطًا، وكلاهما شر في الدين والحياة الدنيا وفي الآخر.
ومما يعصم النظر في الأخبار القرآنية من دعوى الباطل هو وجوب التعامل معها حسب جغرافيتها و تاريخها، لأن هذه الأخبار جرت في أزمان إنسانية وأماكن دنيوية، وهذا كله يخضعها لسنن الوجود التي يتعامل بها البشر؛ فكل خبر قرآني عن السابقين وجب قراءته بحسب جغرافيته وتاريخه، وإلا وقع التحريف للكتاب، فإما التكذيب وإما الإيمان بالباطل كما تقدم.
فهل نقرأ قوله تعالى في سورة المائدة: {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أنها حالة مطلقة دائما في كل موطن نزال بين المؤمنين وبين الكافرين، حيث يحتج بها الخطيب يوم الجمعة والواعظ في مواعظه أنه كلما جاء المؤمنون لحصن مدينة أو مدينة ما حصل قوله تعالى: {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} ؟
الجواب بلا شك أن جعلها حالة مطلقة خطأ على القرآن الكريم، والتاريخ ينفي هذا الفهم تمامًا، بل والقرآن نفسه كما سيأتي ينفيه كذلك، فإذا هي حالة خاصة لها أسبابها وظروفها، وجعلها في المطلق دون النظر إلى تاريخيتها وجغرافيتها يمنع الفهم على الله تعالى فيما قال في كتابه، كما أنه يمنع قراءة العبرة في حصول الوقائع والأحداث، فكونها وقعت في ظرف يعني أن ندرس هذا الظرف وأن نعرف كيفية موافقة الظرف لوقائع القتال بين المؤمنين والكافرين.