فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛

فحكمة الأقدار ومآلاتها خفية، يبقيها الله تعالى سرًّا على خلقه ابتلاءً وامتحانًا لهم، والمتتبع سيرة الأنبياء والصالحين في القرآن يجد هذا جليًّا، بل بدأ الوجود الإنساني بهذا الخفاء على الملائكة، وهم أعلم الخلق بربهم، ومع ذلك عجزوا عن فهم حكمة القدر الإلهي بخلق الإنسان، فسألوا -ولم يعترضوا كما يظن البعض- ربههم بقولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} ، فلم يعلموا حكمة هذا القدر، ولم يعرفوا مآلاته، وهم الأقرب لربهم، الذين يرقبون أمره القدري في كل حين، ولذلك فغيرهم أعجز في هذا الباب.

ويمكن أن ترى أن آخر فتنة جاءت للصحابة إنما كانت في صلح الحديبية، ووقع فيها ما وقع من غضب الصحابة على هذا الصلح، ولم يكن عند صديقهم الأكبر أبو بكر إلا التسليم، ولم يقدر أن يشرح هذا لعمر الفاروق وهو غاضب منه، وذلك لعدم فهمه له، إذ كان خفيًّا عليه في مآلاته، وكيف ستكون عاقبته، والله -جل في علاه- سماه فتحًا كما قال تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} .

وأن يختم النصر الإلهي بهذا الخفاء لهو أعظم دليل أن مسيرة الحق والنصر خفية، وليست بيد أحد حتى العاملين فيها والسائرين في ركابها، ومن مفاهيم هذا الحدث أنه كلما كان النصر عظيمًا كان خفاؤه على الناس أعظم، فهذا هو الفتح المبين، وهذا هو دخول مكة والانتهاء من أكبر طاغوت يصادم الدعوة -ألا هو قريش-، ومع ذلك جرت حكمة الله تعالى أن يقع هذا النصر بهذا الخفاء، محنةً لأهل الإيمان، وليتحقق في نفوس المؤمنين المعنى التام لمقولة الحبيب المصطفى: (وهزم الأحزاب وحده) ، فهو الذي قدر له قدره، ودبر له مقاديره ومسيرته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت