في نصر الله تعالى للوط وقع هذا الخفاء على نبيين عظيمين هما إبراهيم الخليل -عليه السلام-، ولوط -عليه السلام-، وكل وقع له من البلاء في خفاء القدر ما حقق أن قدر الجهاد والدعوة ونصر المؤمنين هو على هذه السنة العظيمة ليعلم الناس كبرياء الله تعالى وعزته واستئثار النصر ليده وحده -جل في علاه-:
فقد مرت الملائكة خلال سيرهم لهلاك قوم لوط المفسدين في الأرض على سيدنا الخليل -عليه السلام-، وأخبروه بما جاؤوا به: {إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} ، وبعد أن جرى الحديث حول البشارة له ولزوجه بإسحاق وابنه من بعده يعقوب، جاء قوله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ، يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} ، وقد ذكر القرآن بعض جدله -عليه السلام-، وهو مذكور في العنكبوت: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ، قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا} ، فهذا مما جادل به، فردت عليه الملائكة: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} ، ويصح هذا أن يكون من قول رب العزة -سبحانه وتعالى-.
ومن عجيب الأمر في هذا الباب أن الخليل -عليه السلام- أراد تسويف الأمر وإبعاده، ولوط -عليه السلام- بعد أن رد عليه قومه بأقبح الرد وهو يردهم عن جريمتهم استبطأ العذاب أن يؤجل إلى الصبح، فردت الملائكة عليه بقولها: {أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} ، وهذا لمن تفكر فيه يدل على نفوس الأنبياء وتنوعها، كما أنه يدل على أن المعاين ليس كالسامع، ولكل ألمه وتقييمه، والحق لا يخضع لأحدهما، وهذا تستطيع أن تراه في تقييم يعقوب -عليه السلام- لفعل أبنائه في إبعاد يوسف -عليه السلام-، إذ قيَّم فعلهم على وجهه الصحيح في بادئ الفعل، ولكنه لما قال لهم في الثانية: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} ، لم يكن الأمر كما قال -عليه السلام-، وذلك دليل أن الأمور القدرية لا تعلم إلا من طرقها، ومن تأمل الوصف القرآني لفعل البشر في الشر يجده مخالفًا لوصف البشر أنفسهم له، فتأمل ما وصف الله فعل ابن آدم في قتل أخيه إذ قال: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ} ، وأما يعقوب -عليه السلام- فقال: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ} ،