من بيان القرآن للحُكمين الشرعي والقدري:
في سورة يوسف جاء قوله تعالى: {إِن الحُكْمُ إِلَّا لله} في موطنين؛ أولاهما في قوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} .
فهذا هو الحكم الشرعي، والذي واجبه العبادة والامتثال كما هو بيِّن في قوله: {أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} .
وفي قوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} .
فهذا هو الحكم القدري، وواجبه التوكل.
وقلما تجد كلمة قرآنية فيها وجهان للحكم إلا وقد ذُكرا في نفس السورة، كما في سورة يوسف هنا في اليأس المذموم في قوله تعالى: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} .
والاستيئاس المشروع الواقع من الأنبياء كحد لنزول النصر في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءهُمْ نَصْرُنَا} ، وكذلك في سورة النحل في قوله تعالى عن الوحي بمعنى الإلهام: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ... } ، وبداية السورة وما فيها من ذكر الوحي بمعنى النبوة في قوله تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} .
ومن ذلك تنوع العبادة القدرية والشرعية كما في سورة الإسراء، إذ ذكر أنواعها كلها:
-... ففي قوله تعالى: {سِبْحَانَ الّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} ، فهذه عبادة المدح والمقام الممدوح.
-وفي قوله تعالى: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} ، فهذه على الصحيح بمعنى الخضوع القدري كما بينت ذلك في تفسير هذه السورة، وليس العبادة الشرعية.
وذكرت العبادة الخاصة في هذه السورة في قوله تعالى عن نوح -عليه السلام-: {إنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} .