الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛
الحديث عن النسخ في القرآن متشعب، ولكن مما أجزم به ضرورة أن الله تعالى لم يبق لنا آية في كتابه لنتلوها لفظًا دون أن يبقى فيها معنى من معانيها لا يصلح للعمل والامتثال؛ ولذلك لا يوجد آية هي من كتاب ربنا نتلوها اليوم فيه إلا وفيها أمر من العمل لم يرفع ولم ينسخ، أما الرفع الكلي لحكم آية ولم يبق فيها من أمر التعبد إلا التلاوة فأمر أجزم بخطئه، لأن التلاوة أمر تبعي لا أصلي لمقاصد هذا الكتاب العظيم؛ فما أنزل هذا القرآن إلا للتدبر المفضي للاقتداء والامتثال، وهذا مقصد إنزاله أصالةً، ثم تكون التلاوة والتعبد بها تبعية، ولا يصح أن يزول الأصلي ويبقى التبعي والفرعي، وهذا ما يجب المصير إليه.
وداعي هذا الاختيار هو تعظيم كتاب الله تعالى، وهذا مما اخترته وصرت إليه، وبقي أمر النظر في كل آية قال بعض أهل العلم بالرفع الكلي لحكمها، وماذا بقي فيها من حكم وعلم عملي واعتقادي لم يرفع ولم ينسخ.
ولذلك فالقول الذي هو أحق بالاتباع هو نفي النسخ الكلي لآيات الكتاب التي بقيت في رسم المصحف، والتي تتلى ويتعبد بتلاوتها.
ولقد كنت أجبن من إظهار هذا الاختيار لشيوع غيره من القائلين بالرفع الكلي كما هو في كتب علوم القرآن حتى وجدت ابن القيم -رحمه الله- قد قال به، ولكن مبعث اختياره لهذا القول ليس هو مبعث اختياري هنا، وقول ابن القيم هو في كتابه (مفتاح دار السعادة) .
أسوق بعض ما قاله ومبعث اختياره، يقول:"وها هنا سر بديع من أسرار الخلق والأمر، به يتبين لك حقيقة الأمر، وهو أن الله لم يخلق شيئًا ولم يأمر بشيء ثم أبطله وأعدمه بالكلية، بل لا بد أن يثبته بوجه ما لأنه إنما خلقه لحكمة له في خلقه، وكذلك أمره به وشرعه إياه هو لما فيه من المصلحة، ومعلوم أن تلك المصلحة والحكمة تقتضي إبقاءه".