فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 275

ثم يقول:"فتأمل الأحكام المنسوخة حكمًا حكمًا كيف تجد المنسوخ لم يبطل بالكلية، بل له بقاء بوجه، فمن ذلك نسخ القبلة وبقاء بيت المقدس معظمًّا محترمًا تُشد إليه الرحال ويقصد بالسفر وحط الأوزار عنده واستقباله مع غيره من الجهات في السفر؛ فلم يبطل تعظيمه واحترامه بالكلية، وإن بطل خصوص استقباله بالصلوات؛ فالقصد إليه باق وهو نوع من تعظيمه وتشريفه بالصلاة فيه، والتوجه إليه قصدًا لفضيلته".

ويقول:"ومن ذلك نسخ التخيير في الصوم بتعيينه؛ فإن له بقاءً وبيانًا ظاهرًا".

ثم جعل يستعرض الأحكام حكمًا حكمًا على وفق هذه الطريقة، ليدعم مقالته واختياره، حتى قال:

"وأما ما كان مستصحبًا بالبراءة الأصلية؛ فهذا لا يلزم من رفعه بقاء شيء منه، لأنه لم يكن مصلحة، وإنما أخر عنهم تحريمه إلى وقت لضرب من المصلحة في تأخير التحريم، .... ولهذا كان رفعها بالخطاب لا يسمى نسخًا، إذ لو كان ذلك نسخًا لكانت الشريعة كلها نسخًا، وإنما النسخ رفع الحكم الثابت بالخطاب، لا رفع موجب الاستصحاب، وهذا متفق عليه". انتهى كلامه -رحمه الله تعالى-

ومع كلام الإمام وقفات:

-أن ما قاله -رحمه الله- من الإجماع على عدم استخدام لفظ النسخ في رفع حكم البراءة إنما هو في كتب المصنفين للأصول، وأما استخدام الفقهاء للفظ النسخ ففيه ما أنكره ونفاه، فالإمام أبو جعفر الطحاوي يستخدم لفظ النسخ في المعنى الذي نفاه ابن القيم، وللعلماء في استخدام لفظ النسخ صور متعددة، وهو عند الأولين مطلق الرفع، سواء كان كليًّا أم جزئيًّا.

-طريقة ابن القيم في فهمه لمعاني الأحكام فتحت لي بابًا في طريقة القرآن لاستخدام الألفاظ، فإن النظر لظرف الكلام مهم في استخدام اللفظ الموصل لهذا الظرف، سوى المعاني الدالة عليه الكلمة نفسها، فالمفسرون على أن لفظ"الظن"في القرآن يكون على معاني في نفس كلمة الظن، إذ يرتقي مستواه لدرجة اليقين كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُوا رَبِّهِمْ} ، وهذا ظن بمعنى اليقين، والذي أظنه أن لفظ الظن هنا إنما هو إشارة لواقع المحكوم عليه، وهو يوم القيامة، فهم على يقين بوقوعه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت