ولكن هناك ما هو ظني غير الوقوع، وهو زمنه ووقته، فهذا لا يعلمه المؤمن، فلزم استخدام لفظ يجمع بين اليقين على الفعل وعلى ظرف الفعل، وهنا الملائم له هو كلمة"الظن"، كما استخدمها ربنا تعالى.
ومثلها كلمة"عسى"، فهي للترجي، ولكن كما يقول ابن عباس -رضي الله عنهما-: إنها موجبة، أي يقينية الوقوع، ومن تفكر في موطن"عسى"في القرآن رآها معلقة على حكم، وما وراءها وعد، والوعد قد يتخلف لتخلف شرطه، فليس مجرد وقوع الفعل -أي الحكم- بظاهره يوجب وقوع الوعد، بل لا بد من مراعاة شروطه وظروفه وعدم وجود موانعه، وهذا يفسر لك دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - واستغاثته لربه في عريشه في موقعة بدر، مع قوله تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} ، وذلك لخوف النبي - صلى الله عليه وسلم - من رفع الوعد لتخلف الشرط، وهذا مما يغفل عنه الكبار، ذلك لفرحهم بالوعد ينسون شروطه وتقييداته، وهذا ما وقع مع نبي الله تعالى نوح، وهو من أولي العزم من الرسل، إذ قال له الله له: {وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} ، مع ما جاء بعدها: {وَلَا تُخَاطِبنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا} ، فلما جاء الطوفان وأخذ ابنه مع الظالمين؛ قال -عليه السلام-: {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ} ، فإما أنه غلبته الرحمة على ابنه، وإما أنه لفرحه بوعد نجاة أهله لم يلتفت لشرط النجاة، فرد الله عليه: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} ، فوقوع كلمة"عسى"بعد الشرط لها ضرورتها لظرف هذا الشرط من هذا الباب أولًّا، وثانيا لجهل الموعود من عباده بوقت حصول الوعد، فلاءم هذا كله لفظ"عسى"، ومع ذلك هي موجبة في علم الله وشرطه، وأما في علم الناس فهي على الترجي.
ومن تفكر في استخدام القرآن لكلمة بدل أخرى إنما وجدها لهذه المعاني، والله أعلم.
وعودة على موضوع النسخ، فإن ما قاله ابن القيم في تفسير الآيات التي حكم العلماء عليها بالنسخ الكلي تحتاج أكثر مما قاله الشيخ -رحمه الله-، ولها صور من العمل غير ما قاله، وهذا يشجع طالب علم مجد أن يصرف لها الجهد لأهميتها.