فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة على النبي الأمين، أما بعد؛

لما كانت العرب تقدم ما من شأنه الاعتناء به -كما قال سيبويه-، فلِم قدم الله تعالى في سورة المعارج ذكر البنين ثم جاء ذكر الزوجة وبعدها جاء الأخ ثم عائلته ثم أهل الأرض جميعًا؟

إذ قال تعالى: {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ، وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ} .

وأما في سورة عبس فقدم سبحانه الأخ على الزوجة والولد، وقبلهما على الأم والأب، إذ قال سبحانه: {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} .

ذلك -والله أعلم- أن الأمر يدور في المعارج على الافتداء، والمرء يقرب بالعطاء البعيد من أجل القريب، فهو يرسل المال لينقذ به الولد والزوجة، وأحب ما لدى الإنسان من الأنساب هم الولد، فهم أقرب إليه من الزوجة ومن الأخ وبقية الأقرباء، وهذا مجبول في الفطر يعرفه كل واحد، فلما كان الأمر شديدا يوم القيامة، ولشدته هذه فإن المرء يدفع الأحب إليه من أجل إنقاذ نفسه، فبدأ بالولد -فهو الأحب-، ثم الصاحبة، وهي عنده أقرب من أخيه ومن فصيلته بعد ذلك.

وأما الشأن في سورة عبس فإن الأمر يدور على الفرار من المطالبة، التي تكثر للحاجة الشديدة يومها، فكل واحد يسأل المعونة، فهو يهرب من البعيد حتى لا يعطيه، لأنه الأقرب في الهرب منه، فجاء بالأبعد ثم رتبها على البعد حتى جاء للولد فهو الأقرب إليه كما تقدم.

والقصد أن المرء في سورة المعارج هو الطالب لغيره أن يفديه، وفي سورة عبس هو المطلوب للفداء فتغاير الحال فكان تغاير الترتيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت