بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛
فقد سأل أحد الأخوان عن سر ورود اسم الرحمن في معرض عذاب الله تعالى من قول الخليل -عليه السلام- في سورة مريم، وذلك في قوله تعالى: {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} ، وهذه المسألة وإن كنت قد شرحتها في تفسير سورة الأنعام في قوله تعالى: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} ، إلا أنه لا بأس بإفرادها هنا حتى ينشر تفسير الأنعام إن شاء الله تعالى، وللجواب على هذا السؤال لا بد من التمهيد بالآتي:
-سورة مريم هي أكثر سورة ذكر فيها اسمه العظيم الرحمن، فقد ذكر هذا الاسم فيها من غير البسملة خمس عشرة مرة، فهي تدور في مباحثها على هذه الصفة الجليلة، والحديث عن الرحمة سمة السورة التي تواجهك وأنت تبحث عن موضوعها وعمود مطالبها.
-علقت السورة عطاءات الله تعالى لأنبيائه فيها على الرحمة الإلهية، وكما أن التشريع مبناه على الرحمة كما تفتتح السور القرآنية باسميه المشتقين من الرحمة: الرحمن الرحيم؛ فكذلك يعلق الفعل الإلهي لما يقع مع أوليائه على الرحمة وذلك في التالي:
• ابتدأ الله ذكر خبر زكريا عليه السلام بقوله تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} .
• وقال عن عيسى -عليه السلام-: {وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا} .
• ووقع تعليل العطاء الإلهي لأبناء إبراهيم الخليل -عليه وعليهم السلام- بالرحمة فقال: {وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} .
• وكذلك علل الله عطاءه لموسى الكليم -عليه السلام- بالرحمة فقال سبحانه: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} .