وأما إسماعيل عليه السلام فهو داخل في أبناء الخليل -عليه السلام-، وأما إدريس -عليه السلام- فلم يذكر في أمره إلا مقام العطاء والمن، فذكره يغني عن ذكر معناه، وذلك في قوله تعالى: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} ؛ فبهذا علم موطن العطاء لأوليائه عليهم السلام.
ولما كانت الرحمة الإلهية تسبق الغضب كما في الحديث، والمسابقة لا تكون إلا على معنى يستحق حلول المتسابقين عليه، فلا يقع مسابقة الغضب بين عامل بالطاعة مثلا، لأن هذا العامل ليس محلًّا له، وإنما هو العاصي الذي يستحق حلوله عليه، ومع ذلك فإن رحمة الله تسبق على معنى من المعاني على هذا العاصي، وذلك مثلًا بتأجيل العقوبة لعله يتوب، أو بتخفيف العذاب عليه، أو لشمول الشفاعة له في باب من الابواب، أو لعفو الله تعالى الصارف للعذاب، وكل هذا هو من سبق الرحمة للغضب، والله قال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} ، ومناسبة ذكر الزكاة هنا دون بقية الطاعات بالاسم لأنها تناسب قوله - صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن) ، والزكاة من أعظم مظاهر الرحمة الإنسانية بين البشر، فاتساع رحمة الله يجعل دخول الناس فيها أسهل من دخولهم في الغضب، ولا يقع الغضب إلا إذا شط العبد وابتعد وأدبر إدبارًا منع من لحوق هذه الرحمة الوسيعة له، ومن كان كذلك فهو ملوم لومًا شديدا، وهذا يفهم من تصور طفل جاء لأمه يبكي، فسألته عن السبب فذكر لها أن فلانا ضربه فأبكاه، والأم تعلم أن هذا الضارب حكيم حليم رحيم، حينها تخبر الطفل أنه ما ضرب إلا لإتيانه شرًّا عظيما لم يتسع لعفو الضارب ولا لرحمته، فإن ضرب الرحيم يعني غياب موجب الرحمة في المضروب، وهذا لا يقع إلا إذا صار هذا شرًّا محضا تمتنع الرحمة من لحوقه بل يقع الغضب، وهذا الذي قاله القرآن عن الكافرين: {وكنتم قومًا بورًا} ، والبور لا يصلح لخير قط، ولا ينفعه النصح ولا التربية، فحقه النار والعذاب.
ولذلك كان من كلام الابن لأبيه، وهو خطاب الخليل لآزر: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} ، وكأنه يتحنن إليه برحمة الرحيم، ويهدده بشره وإعراضه، وتأمل تنفير الخليل لأبيه من عبادة الشيطان، إذ هي عذاب بنفسها، وهي كقوله تعالى عن بني إسرائيل: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} ، فكان من العذاب أن يعبد المرء غير