فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 275

الله تعالى، وهو حال قد ضرب القرآن به المثل في قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ} .

إذًا فالخليل يقول لوالده: إنه إن عذبك الرحمن دل على عدم استحقاقك الرحمة وهي أوسع بابًا وحالًا وعطاءً، فإن حدث هذا كنت شرًّا محضًا.

وهذا خطاب الابن لأبيه، يذكره برحمة الله تعالى الواسعة ليقبل إليها، فلا يكون شقيا بعبادة غير الله تعالى.

وهذا المعنى بيِّن في قوله تعالى في نفس السورة: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا، ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} ، فمن عذبه الرحمن فلا يلومن إلا نفسه، لأنه لم يخرج عن موجب العدل فقط بل خرج عن موجب الرحمة كذلك.

بقيت مسألة وهي أن قريش تنكر اسم الرحمن، وهذا فيه أحاديث كحديث صلح الحديبية، حيث أنكره سهيل ابن عمرو في كتابة صك الصلح، وأنكره أبو لهب كما في الصحيح في كتابة عقد بيع بينه وبين سعد بن عبادة، وهو مذكور في القرآن في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ} ، وأما أهل الكتابين فيعرفونه ويقرون به، كما يذكر هذا أهل التاريخ والتفسير.

إضاءة:

• في كل صفة مطلقة لربنا يأتي بها الفعل حين وقوع أفرادها مقيدًّا؛ فصفة الرحمة جاءت مقيدة بالعطاء وذلك في قوله: {فَسَأَكْتُبُهَا .... } ، مع شمولها في الخلق والإيجاد والإمداد لجميع الخلق، فدلَّ أن هناك رحمة عامة لعموم الخلق، ورحمة خاصة هي لمن ذكر الله تعالى، وهذا المعنى جاء في قوله تعالى ردًّا على اليهود، أعني تقييد الصفة حال وقوع أفرادها من الله تعالى فقال سبحانه: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} ، ثم قال: {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} ، وذلك لحكمة قالها في سورة الشورى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} .

• ورود قوله تعالى: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} ، وهي في الأنعام، وكذلك فيها: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} ، فيه من المعاني ما يقف المرء العاقل معها ما يعجز عن الإبانة عنه لجلال موطنه ومعناه، فهذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت