بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛
ففي الفتن والملمات وسقوط الناس فيها يبرز لردها ثباتًا ويقينًا صنفان من الناس:
-في سورة البقرة:
-وبعد أن سار طالوت بالجنود للجهاد، وحصل لهم الابتلاء بالنهر الذي منعوا من الشرب منه إلا قليلًا قال تعالى: {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} ، وسمى الله هؤلاء مؤمنين، وذلك في قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ} ، فكان هؤلاء بعد ذلك مادة فتنة أخرى أعظم وأشد، وهي فتنة مقابلة العدو الأكبر والأضخم، فقال هؤلاء المؤمنون: {لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} .
-فبرز حينها صنف هم أخص في الإيمان من الناس، وهم الذين قال الله عنهم: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} ، فاجتمع فيهم فهم حركة الإيمان مع التاريخ؛ إذ أنتج هذا القول معرفتهم بذلك، والثقة بوعد الله تعالى أن هذه السنة ما زالت سارية وتعمل ولم تتخلف.
-وفي سورة القصص في سياق خبر قارون مع قومه:
-نصحه قومه: {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} .
-ولكن حين حضرت الفتنة ورآها الناس سقطت جموع، كما قال تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} ، فبرز لردها من وصفهم الله تعالى بقوله: {أُوتُوا الْعِلْمَ} ، فهم من منع من السقوط مع الساقطين في فتنة الدنيا واللحاق بالمجرمين لمالهم وبهرجهم.
فهذا هو شأن الثابتين على الحق عند وقوع الفتن والغمرات: من جمع بين العلم واليقين، ولتقوية هذا الأمر لا بد من رؤية حركة التاريخ حتى تعلم من يبقى ومن يزول.