بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد؛
فقد تقرر صلاح الوجود من جهتين: من جهة تمامه على خلقته الملائمة له، ومن جهة قيامه على مقاصده التي خلق لها، ومنع القرآن من إفساده: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} ؛ فأين موقع الإنسان من هذا الوجود؟
في بداية السورة كان هناك الجواب، فقد قال سبحانه: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ * وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} ، فقد أعطي الإنسان أدوات التمكين لتحصيل التسخير الذي تقدم ذكره، فكان ما أعطي هذا الإنسان أمران:
التمكين، وأسباب العيش والحياة، والتمكين من الأرض من معانيه قدرته على تصنيع ما فيها، وتحويله، ليتلاءم أكثر مما هو عليه في أصل صنعته، وإعطائه المعايش هو أخذ الشيء على أصل الخلقة، وتقدم ذكر التمكين لأنه أعمّ وأعلى من ذكر بسط المعايش، وكان هذا التقديم لذكر الإنسان قبل ذكر حال الأرض وصلاحها لأنه متضمن لما سيأتي، فقوله: {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} هو من صلاحها، ثم لأن الإنسان هو مقصد هذا الوجود، فلا بد من ذكره والإشارة لحاله أولا.
وقوله تعالى: {مَكَّنَّاكُمْ} يعني صلاحية هذا الإنسان قدرًا وتكوينًا لمقاصد حياته، وكذلك تأهيل هذا الند لاستجابته لإرادة الإنسان إن أراد تسخير هذا الوجود لمقاصده، فلا يكون التمكين إلا بتأهيل الفاعل، وصلاحية الموضوع.
وهكذا كان الوجود بخلق الله له، من إنسان ومادة حياته وظرف وجوده تام الخلقة على أحسن حال، وحيث تمت كلمة الله صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام؛ فقد تمت كلمة الله القدرية على أحسن تقويم، وهذا كله مبسوط في القرآن في أكثر من موطن، يعرفها التالي له والمتأمل فيه.