فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 275

وقولنا"أحسن تقويم"بما تقدم ذكره من حسن التمام في الخلقة وحسن قيامه لمقصده، ومن عجائب ما يذكر في القرآن أن النعم لا تذكر فقط لهذا، بل لها شيء آخر هو من تمام الحسن وأبلغه، فتأمل قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} وذلك في سورة النحل، فلم يكتفِ القرآن بذكر ما تقدم من قيامها لمقصد وجودها الواجب، بل حصل ما هو أعظم من هذا وهو الحسن والجمال، وتأمل قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} حيث ترى موضع كلمة الزينة التي هي فوق قيام الشيء بالواجب، بل بما زاد عليه من الحسن والتكميل، وكذلك خذ قوله تعالى: {وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} ، وتأمل قوله تعالى: {وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} ، وهكذا ترى فوق الحكمة جمالًا رائعًا؛ ذلك لأن الله جميل يحب الجمال، وحين يأتي الفقيه لحكم من الأحكام يمنع فيه فساد الإنسان والوجود؛ فإنه لا يأتي فقط لما هو إفساد لقيام الشيء على ما خلق له من الواجب، ولكن كذلك يمنع في فقهه إفساد كون الشيء جميلًا وزينة، وهذا ما تراه في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - مشروحًا أتم شرح وأروعه.

في هذا التقرير الإلهي لهذه الحقائق كان قوله تعالى ملائمًا أشد الملائمة، ومذكرًا لشيء حاضر غير غائب، وهو قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} ، فهو سبحانه -جل في علاه- لم يأت منكرًا تحريم ما هو من أسباب معاشه ووجوده، لكنه أتى لما أبعد من ذلك، وهو الزينة، وسيأتي تفصيل القول في معنى الزينة كما هو في هذه السورة، وهنا نقول: حيث ذكر ما تقدم من قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} كان لا بد من الإنكار على من توهم أو زعم حرمة هذه المعايش وما فيها من حسن وجمال، فقال سبحانه: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} ، فإن سألت موضع قوله تعالى بعد ذكر النعم وأحكامها: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} ؛ ذلك لأن قانون الوجود مع هذه النعم أن لا تدوم، بل تذهب، فإما في العذاب وإما بفعل عوادي الزمن، كما قال -سبحانه وتعالى-: {وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} ، فهي آية تضبط زمن هذه النعم بوجود أهلها في هذه الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت