بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛
فالطغاة يردّون الحق دوما، وترتفع درجة عدائه كلما قوي، وهذا شأن الشيطان، فإنه لما رأى قوة الحق في شخص الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يطق إلا أن ينسى نفسه ويحمل شهابًا من نار ليحرق الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - من عنقه وخنقه، وأراد أن يربطه بسارية المسجد لولا تذكره - صلى الله عليه وسلم - لدعوة أخيه سليمان -عليه السلام- أن يعطيه ملكًا لا يعطى لأحد غيره، فأطلقه.
في سورة الشعراء ارتفعت وتيرة الخصومة الفرعونية لموسى -عليه السلام- والهدى الذي جاء به من الاستهزاء إلى الاتهام بالباطل والدعاية الكاذبة للتنفير، إلى التهديد، قال تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} ، فهكذا ترتقي الخصومة وتشتد كلما اشتد الحق، وأما الميوعة؛ فتصنع الخلط والمداهنة، فيضيع الحق ويختلط بالباطل، والله لا يحب الفساد.
فهذه مراحل مسيرة الحق مع الباطل: الاستهزاء المتضمن للإعراض، ثم التشكيك بالداعي واتهامه الزور والكذب، ثم التهديد والعذاب والمواجهة، ثم النصر.