فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} ، هذه كلمة الرجل الصالح، فيها ربط حركة الوجود بالغيب، وأن التوفيق والإضلال، بيد الله العظيم، وأن من أسباب البقاء هو موافقة الرضى الإلهي، كما أن أسباب الفناء معصية الله تعالى، فما يحصل من حركة في عالم الشهادة إنما هو بسبب حركة عالم الغيب، وسبب حركة الغيب إنما هو الطاعة أو المعصية من هذا الإنسان، فعلاقة عالم الغيب مع عالم الشهادة كعلاقة القلب بالشرايين، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} .

وربط الهداية بعدم الإسراف والكذب في موضوع الشهادة على الخلق، والإبانة عن رب العالمين، يعني قيمة الكلمة وضبطها على وفق العدل والصدق، والعلماء وإن اختلفوا في معنى الإسراف هنا، إلا أن تفسيرهم إياه بالشرك حينًا، وبالقتل حينًا، ويذهب الطبري إلى أن اللفظ شامل للمعنيين. أقول: وإن اختلفوا؛ إلا أنه يبقى لكلمة الإسراف خصوصيتها حين يتكلم فيها القرآن، ولا يكون تفسيرهم إلا من قبيل تفسير الكلمة بالمثال، وإلا فهي في دلالتها أشمل من هذا كله، لبقاء معنى الإسراف حاضرًا في شموله واتساعه، فحبس الهداية عن المسرف والسرف، وهي حركة فعل وقول، كما أن الكذب حركة قول وفعل، يدل على أن الهداية الإلهية لإصابة سبل ما يحقق الإنسان من مقاصد لا تمر إلا بهذين الضابطين؛ ترك الإسراف في شأن المرء كله، لأن الإسراف خروج عن العدل، وهو ميل جارح إلى جهة وإن كانت ضرورية للفعل، إلا أن الضرورة للشيء لا تعني ترك ميزان العدل فيها، كشرب الماء للإنسان، فإن الإسراف فيه مهلك، وترك الكذب، وهو ترك الصواب في الخبر والقول.

والرجل الصالح يطلق هذه الكلمة العظيمة وذلك بعد ما قدم من ميزان الصدق والكذب، واحتمال وجود أحدهما في خطاب الكليم -عليه السلام- على وجه الإلزام لقومه، فهو لم يسرف في قوله، بل جعل كلامه قائما بالحق والعدل بلا إسراف، وارجع متأملًّا كلامه في ما تقدم: {وَإِنْ يَكُ صَادِقًا ... } الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت