فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 275

اختيار هذا الخطاب في تلك اللحظة ولهؤلاء القوم يعني وجود الضد منهما فيهم، فهو ملأ الترف، وعلية القوم في الناس تعيش هذه الحالة أكثر من غيرهم من طبقات الشعوب.

ملأ الترف يعني الإسراف الذي يعيشونه شاملا لحياتهم المالية والعقلية، يقتلون بإسراف، ويتكلمون ضلالًا بإسراف، ويسرقون ليأكلوا طعاما بإسراف، وهكذا تمضي حياتهم تحت هذا الظل الشامل الفاسد: الإسراف.

ثم هم يعيشون بعد هذا في هذه الطبقة على الكذب، وهو فساد تصور قبل أن يكون فساد لسان، لأن المرء حين يكذب ويتحرى الكذب يفسد أول ما يفسد تصوره للأشياء والحوادث والكلمات، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم: (ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا) ، والمرء لا يكتب هذه الكتابة إلا لوجود الصفة التكوينية فيه، ومن كان هكذا دلَّ على فساد مرآة نفسه في داخله؛ فهو لا يرى الأشياء على حقيقتها وهو ينظر إليها، ولا يسمع الأخبار على حقيقتهما وهو يستمع إليها، وهذا وإن بدا للبعض عجيبًا، لكن من خبر الكذابين رآه جليًّا بينًا فيهم.

هل هذا حكم على قومه، وهو يخاطبهم أن سبب صرفكم عن الحق هو ما استمرأتم عليه من هذين الشرين العظيم؟!

هل يعني هذا أن هذا الحكيم يقول لقومه: لشر فيكم، وهو شر عظيم، وصار لكم هذا الشر لصيقًا منعتم من الهداية والتوفيق لما يدعوكم إليه الكليم؟!

إن صح هذا -وهو صحيح إن شاء الله-؛ علمت أيها الشادي توفيق الله وهدايته ألا تسير وراء كاذب، ولا تقتدي بمسرف، ولو أعمل طالب الهداية والحق والرضى الإلهي هذا القانون لما أُشرٍب فؤاده البدعة قط، ولَما ضلَّ في اتخاذ القادة والعلماء الذين يهدونه لأقوم السبل.

إضاءة: قال ابن عمر -رضي الله عنه- لمصعب بن الزبير وقد قتل آلافًا من أتباع المختار، وهو من هو؛ أي المختار: والله لو كان هؤلاء غنمًا لكان قتلهم إسرافًا.

وللحديث صلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت