بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله الطيبين وعلى صحبه الميامين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد؛
فإن الإيمان ليس عملًا قلبيًّا فقط، ولا هو عمل فرديٌّ فقط؛ بل هو جماعة ورفقة، فيها الإمامة والقيادة، وإحدى مهمات الأنبياء مع أتباعهم صناعتهم جماعة لها صورة الانخلاع من سلطة وجماعة الجاهلية، ولذلك بعض صور الصراع بين طائفة الهدى وطائفة الجاهلية تدور حول الإمام والقائد والرمز، وحين يطرح مؤمن آل فرعون كلمته العظيمة قائلًا: {وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ} ، يعني أنه يطرح نفسه إمامًا بدل إمامة فرعون، وقائدا لهذا السبيل بدل قيادتهم الجاهلية، وهذا مما ترفضه الجاهلية والجاهليون، فإن إحدى مهمات دعوة العلمانيين المعاصرين، وهم خلف لأسلافهم الزنادقة والمجرمين قولهم:"إن الإيمان عمل فردي لا جماعة فيه، وأمر قلبي لا مظهر له"، وهم يريدون سلب الإيمان فاعليته في الوجود، ولو نظر الباحث إلى دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة لرأى أن من مهمات صناعته ودعوته تكوين الجماعة المؤمنة التي تنخلع من الجماعة الجاهلية القائمة على القبيلة وسلطانها، إلى جماعة تأتمر بأمر النبي، والرجل الصالح هنا يقول: {اتَّبِعُونِ} ، فهو يطرح نفسه بديلًا لفرعون، هذا مع أنه لا سلطان ولا ملك له، لكنها حركة الإيمان التي يبدأ بهذا التجمع حتى يتم تكوين السلطان والقوة.
وهذا الذي يقوله هذا الصالح يقوله الملك النبي سليمان -عليه السلام- وهو يرسل رسالته الى ملكة سبأ قائلًا: {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} ، فهو يربط الإيمان بشخصه وسلطانه، كما أن هذا المؤمن الذي لم يعد كاتمًا لإيمانه يربط سبيل الرشاد باتباعه، وهذا يعني أنه لا بد من شاخص إيماني ماثل لأعين الناس يؤوبون إليه، وهي وإن كانت في بدايتها رفعة لهذا المتبوع، إلا أنها تكليف عظيم أن يصبح الإيمان امرئًا يعيش الإيمان نفسه ليمثله في أذهان الناس.
وهذا المؤمن الصالح يرد الكلمة بالكلمة، لكنها كلمة الدليل، كما أنه لا كبر فيها ولا غرور، يقول فرعون: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} ، فيرد عليه الرجل الصالح: يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ