بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛
تتكرر كلمة الإسراف في حديث الرجل الصالح مرات، وذلك في قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} ، وفي قوله: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ} ، وفي قوله: {وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} .
وهذا التكرار دال على طبيعة القوم المخاطبين في كلامه -أي قومه-، ونوع معيشتهم، واختياراتهم العملية والذهنية، ومما لا شك فيه أن قوم فرعون كان لهم النعيم العميم، وذلك بيِّنٌ في القرآن، وإليك الدليل:
يقول فرعون لقومه: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} ، وإذا كانت بلادهم بهذا الخير من الأنهار فهو دليل على ما عندهم من الزروع والثمار، ولذلك لما أهلك الله فرعون وجنده قال تعالى: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} ، والذي ورثه الإسرائيليون هي الكنوز فقط، وذلك لما أخذوا معهم من أموال القبط وهم خروج من مصر، كما قال تعالى: {وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ} ، وهي الجواهر التي صنعوا بها العجل الذي عبدوه، وأما أبنيتهم فقد دمرت كما قال تعالى: {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} ، فدلَّ على أن زروعهم وعروشهم -أي أبنيتهم- قد دُمرت.
وأما قوله تعالى: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ، كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ} ، وهنا في هذا الموطن من سورة الدخان لم يذكر الله بني إسرائيل كما ذكرهم في الآية التي في سورة الشعراء، وسبب ذلك والله أعلم أن الآية من سورة الشعراء ذكر فيها الكنوز، وهذه قد ورثها بنو إسرائيل، وهذه الآية من سورة الدخان لم يذكر فيها الكنوز بل ذكر غيرها وهي صارت ميراثًا لمن جاء بعدهم ممن سكن مصر، ذلك بأن بني إسرائيل لم يسكنوا مصر بعد خروجهم منها مع موسى وهارون -عليه السلام-، وأما قوله تعالى