فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد؛

فمن القضايا التي تكررت في القرآن الرد على المعاندين للرسول بطلب آية كونية دالة على صدقه، وقد عالج القرآن هذا الطلب بصور متعددة مبينًا أنه طلب متعنت لا صدق فيه، وقد قال سبحانه: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} ، فكانت آية الناقة لا شبهة فيها على صدق الرسول، فهي مبصرة أي بينة جلية، ومع ذلك كذب بها الأولون، والناس هم الناس، فكما كذب الأولون فسيكذب الآخرون بمثلها، وكانت طريقة القرآن في الرد على طلبهم بوجوه:

-التنبيه على الآيات الكونية الحاضرة لديهم، فهي آيات عظيمة لمن تفكر بها، وهي لا تختلف لمن تدبرها عما يطلبه المتعنتون، ولكن لدوام حدوثها، أو لجريانها مجرى السنن فإن الناس في غفلة عنها؛ ففي سورة الأنعام جاء طلبهم بقوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ، فكان الرد بعدها بأن ذكر القرآن بعض عجائب خلقه مما هو بين أيديهم، فقال سبحانه: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} ، فهي إذًا آيات حاضرة، وهي كافية لمن تدبر فيها، ولكن لجريانها مجرى السنن غفل عنها الخلق ولم يتأملوها كما يجب. وفي سورة الرعد طلب الكافرون آية، كما في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ .. } ، فيأتي بعدها ذكر ما خلق الله من عظيم الصنعة والإيجاد، فقال سبحانه: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ .. } إلى قوله تعالى: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ .. } .

-وهناك طريقة قرآنية أخرى في الرد على هذا الطلب المتعنت، وهو التنبيه على آية القرآن المعجز العظيم، وأنه آية كافية لمن تدبر وتفكر، وهذا في سورة الحجر، وذلك في قوله تعالى: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ، لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} ، فجاء قوله تعالى رادًّا عليهم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت