فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله أجمعين وعلى صحبه الغر الميامين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد؛

فمما يدل على عفو الله على عبده إن غلبه الضعف البشري الفطري الذي لا يقدر على دفعه ما وقع لأم موسى -عليه السلام-؛ فهذه امرأة أوحى الله تعالى إليها بأن قذف في قلبها معاني الاطمئنان للفعل كما قال سبحانه وتعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} ، فهذه مطمئنات عظيمة بينة، وذلك بأن يحفظ الله تعالى لها ابنها، وأنه سبحانه سيرده إليها، بل سيجعله رسولا نبيًّا، ولهذا فعلت ما قذف في قلبها بسبب الاطمئنان، ثم لما غاب عن عينيها جاءتها الهواجس وطم الخوف على قلبها فغلبها، فأرسلت أخته وراءه ترقبه وتراه وتعلم من شأنه، وقال تعالى عن حالها: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، أي تبدي جزعها وخوفها فيخرج منها كلام يضاد الرضى والقبول والتسليم، ولكن حفظها الله تعالى من ذلك بأن ربط على قلبها برباط اليقين، ولم يعاتبها الله لهذه المعاني القلبية لأنها معاني فطرية في نفس الأم، وهي بما فيها من هذه المعاني وقوتها لا تقدر على دفعها، وهذا من رحمة الله تعالى للناس في هذا الباب، ثم لم تعاتب لأنها وإن جاءتها هذه المعاني في قلبها فهي لم تظهرها ولم يخرج على لسانها كلام لا يرضى عنه الله تعالى.

فعلم من هذا أن حركة القلب الفطرية مهما كانت من حب أو خوف أو اضطراب مما لا يقدر الناس دفعه عنهم لا محل لها في العتاب والسؤال والعقاب، بل هي من عفو الله تعالى، بشرط ألا يكون معها من لقلقة اللسان التي يكرهها الله أو متابعة هذه المعاني على وجه من الفعل الذي يكرهه الله.

ومما يشهد لهذا المعنى ما وقع ليوسف الصديق -عليه السلام- من نوازع الرجولة الفطرية في الميل للنساء حين عرضت امرأة العزيز نفسها عليه فقال تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} ، والصحيح في هذه الآية أن نازع الشهوة قد أتاه -عليه السلام- خلافًا لمن نفاه، ذلك بأن إثبات هذا له فيه جمع لتمام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت