فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد؛

ويواصل هذا الرجل المؤمن الخارج من ركام القبيلة والسلطان الكافر وقيم المجتمع الجاهلية، كنبتة زهر وسط جموع من الشر تتمالأ كفرًا وكيْدًا، يواصل هذا الرجل عرض موازين الحق لقومه دافعًا إياهم إلى ما فيه خيرهم"وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ."

هذه يقولها بعد أن بيَّن لهم أن ما جاء به موسى الكليم هو الحق، حيث جاءهم بالبينات من ربهم، لكنها كلمات التنزل في الخطاب والمناظرة، لتبين أدنى صور الحق، فهو يعرض الحق بين حديه، حده الأعلى أنه هو الحق الذي لا حق غيره، وحد الحق في أدنى درجات الصواب فيه، وأنه لو كان كذلك؛ لما جاز للعاقل إلا أخذه واتباعه، وهذا من تمام الإلزام للمخالف، وهو ينبئ أن الإيمان وعي، وأن الإيمان ليس كما يقول الجهلة مجرد معاني نفسية لا تتسق مع العقل، أو أنه معاني قلبية لا يمكن التعبير بها، والناظر إلى قذيفة الإيمان وهي تغزو العقول يلاحظ الوعي العجيب على الحياة بمجرد النطق بكلمة التوحيد، فتأمل هؤلاء السحرة الذين كانوا في أول النهار سحرة كفرة وفي آخره شهداء بررة، كيف صاروا بعد قذيفة الإيمان دعاة صدق تنطق ألسنتهم بالحكمة العالية الرفيعة كما في قوله تعالى -جل في علاه- عنهم: {إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا، وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} . فالإيمان الذي يعرضه القرآن من خلال رجاله لا يعرض أبدًا إلا بعقل عظيم ووعي يدل أن صاحبه يسبق غيره، لا بتلك الصورة التي يتصورها البعض من الجهل والغباء والعياية في الخطاب والحديث والعقل.

هذا الرجل الصالح يعرض الإيمان من خلال الرسول، ويتحدث عن القيم التي يحملها أولًا بقوله: {وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} ، فهي بينات تلتصق بالرسول وبشخصه، ثم هو يفرغ إلى الحديث عنه، وكأن الصراع على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت