فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 275

الرجل في تلك اللحظة أكثر من الصراع على المبادئ، ذلك لأن قيم الإيمان أقوى من أن تكون مجال صراع، لظهورها في النفس وبيانها الذي لا تستطيع الفطر رفضها، وهذا الرجل يعلم أن فرعون مشكلته نفسية أكثر منها عقلية، وكذلك الملأ من الأتباع، ولذلك هو يرتقي بهم كما سيتبين إلى أعلى من هذا، وكأن الصراع على الإمامة ومن المتبوع، فهنا يقول لهم: {وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا ... وَإِنْ يَكُ صَادِقًا} ، فهو حديث عن الرسول وشخصه؛ إذ تختلط الدعوة بالداعي لدرجة المماهاة التامة، فلا إيمان بالقيم دون حاملها.

في هذا الحوار حلقة غير مذكورة لكنها شاخصة في النفس لدرجة الوضوح الذي لا خفاء فيه، ويكون ذكرها من قبيل النزول عن درجة الخطاب العلمي العالي، فتأمل قوله: {وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} ، فما الذي سيخسره آل فرعون حين اتباعهم لموسى -عليه السلام-؟!

هب أنه كاذب في دعواه، فما الذي ستخسرونه، والسؤال الكامن في النفوس كم ستحققون من الخير باتباعه لو أن قوله الذي تقدم ذكره في ربط معالم دعوته مع الغيب لم يكن صحيحًا!

موسى الكليم يعرض دعوته بربطها بالآخرة، فهو يقول أن اتباعي يحقق لكم النجاة في الآخرة، ومخالفتها يعني العذاب فيها، فالرجل الصالح يقول لهم: هبْ أن أمر الآخرة لم يكن؛ فهل فاتكم الخير العظيم في الدنيا؟!

أي شر يعيشه هؤلاء القوم حتى استحكم على نفوسهم من سلطان هذا الطاغية حتى تكون تجربة الخروج منه بنفسها هي الخير؟!

هذا الكذب له وجه العقوبة على الكاذب: {فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} ، لكن ماذا سيكون شأنكم أنتم لو خرجتم من سلطان فرعون بدعوة موسى الكليم؟!

إنها دعوة مبطنة لهم أن هذا الكلام لو كان كذبًا في نفسه بعدم الجزاء في الآخرة أن فيه الخير العظيم لهم بمجرد الخروج من سلطان فرعون وطغيانه.

إنها الجاهلية وقوانين الكفر وغلبة الطغاة حين تبسط سلطانها على الناس فتفسد عليهم عيشهم ونفوسهم، إذ تشاركهم في أموالهم، وتسبي منهم نساءهم بقوانين الأسرة التي تقنن كفرًا، حتى تصبح المرأة لغير زوجها بالقهر والفساد والإفساد، وحين تؤخذ الأموال ظلمًا من جيوب الناس باسم القانون، وحين تقيد حريات الناس حتى يصبح المرء خائفًا وهو يتحدث تحت لحاف بيته خوفًا من مسالحة فرعون، وحين تصبح الحياة مجرد طعام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت