بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله الطيبين وعلى صحبه أجمعين. أما بعد؛
يفرغ الرجل الصالح مقالته لقومه بقوله: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} ، وهي كلمة تمتلئ رحمة وتواضعًا، حيث يرى من قومه الإعراض والصدود، وهو لا يملك إلا أن يخوفهم من الله ومن لقائه والدار الآخرة، وهذا شأن الأنبياء في هذا الباب كما يقول تعالى عنهم: {قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ} ، وهذه وإن بدت للبعض كلمات ضعف، لكنها في حقيقتها كلمات قوة، لأنها كلمات يقين في القلوب، فكلماتها حقائق كأنها أحكام القضاة النافذين، تعطى وتنتظر يوم نفاذها، فلا يشعر المخاطب بها إلا أنها موقوفة التنفيذ لأجل، ثم هي قادمة لا محالة، وبهذا تكون النفس حتى وهي في غيها في عذاب من هذه الكلمات، وتكون خاضعة لسلطانها، وهذا الرجل الصالح يطلق زمان الذكرى؛ أهو يوم العذاب الدنيوي، أم هو يوم العذاب الأخروي، ليشمل هذا كله، يذكرون كلماته لتكون حجة عليهم، وكلماته كذلك تحمل جوابًا لأقوال قيلت له من التهديد والوعيد، إذ لا يكون قائلًا تلك الكلمة إلا جوابًا على تهديد منهم: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} ، وهذا من توكله على مولاه ليكفيه شأنه، وهو سبحانه القائل: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} ، وهذا التوكل هو سلاح المؤمن، فتفرغ النفس من أي سلطان أو قوة، فإن التجاءها إلى الله يكون على وجه التمام، والرجل الصالح يقول لهم: {مَا أَقُولُ لَكُمْ} ، ولم يقل لهم:"ما قلت لكم"، ذلك لأن الفعل المضارع يفيد الاستمرارية وعدم الانقطاع، بخلاف الماضي الذي يفيد الذهاب والانقطاع، وهذا دليل أن الرجل لم يكف، ولم ينو الكف، أي أنه لم يقل كلمته ثم تركهم ومضى، بل بقي بينهم مذكرًا لهم بما تقدم من كلامه، ويستمر بهذه المواعظ الإيمانية لهم لعلهم يتقون، وهذا هو شأن الداعي، لا يقول كلمته مرة ثم يذهب عنهم ظانًّا أن الشأن معهم قد انتهى.