فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 275

وهذه الكلمة: {وَأُفَوِّضُ} لم تذكر في القرآن إلا في هذا الموطن، وكأن فرادة هذا الرجل بين قومه وأهله تقتضي فرادة لفظه الذي يختص به، لتبقى هذه الكلمة القرآنية كلما ذُكرت دلَّت على رجل واحد في الوجود هو هذا العبد الصالح الذي هجر قومه وما يعبدون، ومضى سائرًا في رحلته مع الله تعالى.

فحين تكون الكلمات فريدة مع إيمانها؛ يكون أصحابها لهم فرادة الإيمان في أزمانهم، ويحفظ الله تعالى لهم هذه الفرادة في كتابه ليكونوا هم معالم هذه الكلمات الإيمانية، كما تكون هذه الكلمات هي كذلك دالةً عليهم.

وهو يفوض أمره كله لمولاه، والتفويض إفراغٌ للنفس من القيام بشؤونها اعترافًا بعجزها عن القيام بهذه الشؤون، وخاصة في محيط قوم لا ناصر له منهم أحد، ولا معين له على شأنه منهم أحد.

{فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ} :

فقط بهذه الكلمات الخبرية السريعة تُغلق صفحة المواجهة بين هذا العبد وبين قومه، حيث يقع التفويض موقعه، فتقع الوقاية الإلهية لتحميه وتدفع عنه الشر، والعجب أن يكون واحدًا لا يملك إلا الكلمة، وهم جموع لهم الملك والسلطان، وعندهم الجنود، ومع ذلك يقع منهم فعل المكر، فلا يأتون إليه إلا بهذا الفعل الدال على الخفاء والسر والتخطيط: {مَكَرُوا} ، فينجو بما لا نعلم من الطرق، لكنه ينجو وهذا كافٍ لمن أراد السير على هذا الطريق وهذا السبيل.

والإتيان بـ {مَا} الدالة على الإطلاق لتجمع أمرين هما على الضد: أولاهما الكثرة؛ إذ عَدم تعيينها يذهب النفس إلى الكثير من التصورات والاحتمالات، وهي مع ذلك دالة على الصغر والضعف، فهي {مَا} ولا مزيد، وكذلك الإتيان بتسمية المكر سيئات -والمكر في الابتداء لا يكون إلا سيئًا- دليلٌ على قبح ما خططوا له وجمعوا شأنهم عليه، وكذلك تأمل الجمع في قوله: {سَيِّئَاتِ} فهو دليل لك أنهم لم يمكروا مرة ولا مرتين، بل مكروا {سَيِّئَاتِ} كثيرة، إذ كلما فاض شرهم بمكر رده الله عليهم، وكيف لا يكون الأمر كذلك، وهذا رجل دخل في كنف الله وحفظه ورعايته؟

هذه السورة كما تقدم تعطي للناظر فيها معنى الفرادة، والإيمان هذا شأنه عند الابتلاء، وكذلك هذا شأن السني عند البدع، وهو شأن أهل الحق في محيط الجهل والانحراف، حيث يسير الناس كأسراب القطا، يتبع بعضهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت