بعضًا دون تفكير ولا وعي، وينجو من يأبى أن يكون مجرد رقم في قطيع بهيمي لا عقل ولا نظر ولا تبصر، بل يذهب وحيدًا في إيمانه وفي مواقفه.
وهذه السورة كشأن القرآن حين يطرح هذه القضية -أي قضية فرادة المؤمن التي تجعله غريبًا- تذكر هذا الصنف من البشر بحركة الغيب التي تعيش معهم، ليعيشوها حقيقة في قلوبهم، تسد ما نقص لديهم من غربة واقعهم، كما أراد الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في حادثة الإسراء، والله يقول فيها له ولمثله في سورة الإسراء: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} لتستشعر موافقة الوجود لما تفعل، وأنك لست غريبًا بالنسبة لعالم الغيب، وإن كنت غريبا في حياة الناس الغافلين، وهكذا تبدأ هذه السورة؛ سورة المؤمن بقوله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا} ؛ فمن أيقن على هذا ذهبت غربته يقينًا أنه هو الحي وهم الأموات.
إضاءة: قال الرازي في تفسيره بما معناه مادحًا ما أتى به الزمخشري من فهم لهذه الآية: {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} في تفسيره (الكشاف) :"إنه لو لم يكن في تفسيره إلا هذه لكانت كافية"، ذلك بأنه استفاد منها أن الملائكة لا يرون ربهم، ولذلك هم يؤمنون به، وهذا لا يقال له إلا أنه علم حضر إليهم خبرًا لا عيانًا، فإن مَن عاين لا يسمى فعله إيمانًا.
قال الرازي:"ورحم الله صاحب (الكشاف) ، فلو لم يحصل في كتابه إلا هذه النكتة لكفاه شرفًا وفخرًا".
وكلمته رائعة ولا شك، إلا أن الرازي -والزمخشري من قبله- جعلاها حجةً لباب بدعي آخر، ليس هذا مكان بسطه.