بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين وعلى آله الطيبين وعلى صحبة الغر الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد؛
فإن للسورة القرآنية سمة تختص بها عن غيرها من السور الأخرى، ليس فقط في استقلال موضوعها لكن بأمور أخرى، ولذلك تستطيع معرفة وجه السورة، من خلال هذه السمات الظاهرة، سواء في ألفاظها وجرسها أو بعض ما يتكرر فيها من لفظ أو كلمة، فقد رأينا قبل كيف تكرر لفظ القرآن في سورة الإسراء، وكما نعلم من تكرر كلمة: {فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} في سورة الرحمن، وكما رأينا من تكرر اسم الرحمن في سورة مريم، وهكذا تكاد هذه القضية تطرد في بيان وجه السورة الظاهر الذي يبين عما تحته من معاني وعلوم تحتاج للتفكر.
-ففي سورة فاطر مثلًا نرى تكرر النداء الرباني للإنسان للنظر لأمور متعددة، ففيها:
• {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} .
• {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} .
• {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} .
-وفي سورة الروم نرى تكرر قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ} ، وذلك في ثلاثة مواطن، وهي:
{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ} ، وقوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} ، وقوله قرب ختامها: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} ، وعلم هذا نافع في حفظ كتاب الله تعالى، وهو أحد مهمات تنوع اللفظ في السور المختلفة.
-وفي هذه السورة تكرر مرتين قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ} ، فأما أولاهما ففي قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} ، وهذا أمر بالتوحيد، وثانيهما: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ} ، وهو أمر بالشرائع والتزامها.