بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛
فأنت قد رأيت أن أغلب صور حالات المعاصي وتبريرها في نفوس الناس كما عرضتها سورة الأعراف أنها مِن أناس لا يريدون مصادمة الأمر والنهي، ولكنهم يريدون أن تتوافق هذه المعاصي مع الشرع؛ فمعاصي يجعلونها: {وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} ، ومعاصي يأتونها على وجه تأويل النص، ومعاصي يقترفونها على وجه الحيل والتلعب، وقد بينت السورة سبل اقتراف هذه المعاصي ومن يقوم بها، وما هي أحوالهم من العلم، كما عرضت صورة الرجل الذي هو كالكلب إن تحمله يلهث وإن تتركه يلهث، وهكذا، وهناك صورة من أحابيل إبليس في دفع العاصي للإقامة على معصيته، ذلك لأن الندم والتوبة سبيلهما الوحيد هو شعور المرء بعظم جرمه، فإن هوَّن المرء وشيطانه المعصية أقام عليها وامتنع عن إتيان التوبة، وهي أعظم ما يحبه الله تعالى، ويطلبه منه ويحض عليه، ولذلك هي من أبغض أفعال العبد للشيطان، من أجل ذلك أقام إبليس موانع إتيان التوبة، وهو إزالة دافعها، وهو الشعور بالندم، وذلك بالتقليل من جرمها وعاقبتها، وقد شرحت سورة الأعراف هذا مع ما ورد من هذا المعنى في سور أخرى.
يقول الله تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُون} ، وهذا الخلف لم يأتهم الأمر على وجه تام، بل تكشف سورة الشورى منابع انحراف هذا الخلف التالي، وذلك في قوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} ؛ فقد بينت هذه الآية أن اختلاف حملة الكتاب فيه يورث شكًّا عند الوارث له، والواجب هو اتحاد الناس عليه ليأتي الوارث له على وجه اليقين عليه، فالتالي في الشك إنما جاء فساد يقينه عليه إذ لم يحمله الوارث