فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 275

به إلا بتفرق واختلاف، وهذا حاصل، فتفرق الناس في الكتاب يوجب عند الناظرين إليهم القول:"لو كان هذا حقًا لاجتمعوا عليه، وإذ لم يجمعهم فهذا دليل بطلانه"، فتشريع التفرق والاختلاف يعني توريث الشك والتردد.

ولكن هذا الخلف كان موجب إقبالهم على المعصية كما يكشفها القرآن هو حب الدنيا، وذلك في قوله تعالى: {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى} ، وهو عرض، والعرض ما لم يستقر، بل هو متغير أو زائل، وهو أدنى، أي أقرب، والمقصود ما في الحياة الدنيا من نعيم، فحب الدنيا هو الدافع، لكن هذا الحب لا بد أن يبرر دينيًا: {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} ، وفي موطن آخر -وهو في سورة المائدة- برروا هذا الخصوص بعدم لحوقهم العذاب بسبب المعصية بما قالوه: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} ، وفي سورة البقرة جاء قولهم أقل في الشر، وإن كان هو عظيما في الشر، فقالوا: {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً} ، فقد اعترفوا هاهنا بأن ما ياتونه يوجب العذاب، لكن لخصوصيتهم؛ فإنه لن يصيبهم إلا القليل منه، ولكن هاهنا في الأعراف أبعدوا في الشر، فلم يعترفوا بأن ما يفعلونه سيورثهم النار، فقالوا: {سَيُغْفَرُ لَنَا} ، مع أن قولهم فيه اعتراف أن ما ياتونه ذنب، وإلا لما قالوا: {سَيُغْفَرُ} ، ولا تكون المغفرة في هذا الباب إلا بذنب.

فهذا هو تهوين المعصية، وهذا هو ادعاء الخصوص، وهما سبيل لإبليس في دفع الناس للذنب والإجرام، وما من أمة إلا ولها نصيب من تلعب إبليس بها في هذا الشأن.

ومن سياق الآيات هذه في الأعراف يتبين أن من هوَّن المعاصي هم حملة الكتاب، وذلك في قوله تعالى: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} ، فدل أن ما بين هذه المعصية وهذا السياق لهذا القول اتصالًا، وهو أن من قال هذا الباطل من التهوين إنما هم من أخذ عليهم الميثاق بقول الحق، كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} ، وقوله تعالى هنا: {وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} دليل أن الفتوى عندهم للبيع، يعطونها لمن يدفع ولمن يأمرهم وينهاهم، فيحصل الشر العظيم.

وفيها كذلك -أي آيات سورة الأعراف- أنه كان لهم شأن من التوبة وعدم العودة، وذلك في قوله تعالى: {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} ، وسبب عودتهم لها هو ما قاله تعالى من: {سَيُغْفَرُ لَنَا} ، فصارت عودتهم لا على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت