بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله والصلاة والسلام على خير الخلق وإمام الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛
البيئة للعقائد تكتشف من خلال نموها وحركتها التاريخية، أو من خلال ترداد أصحابها لموضوع يشغل بالها ويؤرق فكرها، وهذه البيئات تسعى العقائد ورجالها لتحصيلها، لأنها بوجودها تنمو هذه العقائد وتقوى وتحصل مقاصدها، واختلاف البيئات يعني انكسار مفاهيمها، كما الضوء، فإنه ينكسر إذا خرج من بيئة لها كثافتها إلى بيئة أخرى تفرق عنها في هذا الكثافة، كما نرى حين نضع عصا في الماء فنرى انكسار هذا العصا في أعيننا، والسبب هو اختلاف بيئة الهواء عن الماء في الكثافة.
القرآن له بيئته التي سعى لتحصيلها أمرًا ليتم لقارئه الوعي والفهم عليه، واختلاف واقع القرآن عن هذه البيئة يعني انكسار مفاهيمه في عقل ونفس الناظر فيه، وهذه البيئة لها واقع ذهني علمي ولها واقع نفسي، ولها واقع وجودي، والعلماء تكلموا عما يحتاجه الناظر من العلوم ليحصل الهداية من القرآن، وهذا ما شغلت به كتب مصنفات علوم القرآن، وانتشر الكثير من كلامهم بلا جمع في مصنف في تمييز الحالة النفسية التي تلائم تحصيل هداية القرآن كقولهم عن الحزن حين قراءته، أو الفرح به، أو قراءته وكأنه يتنزل عليك، وكذا تحدثوا عن أحسن البيئات التي تلائم القرآن حين تلاوته، كحضهم على قراءته في قيام الليل، فإن هذا هو وقت تنزلات أعظم معانيه، وهذا قد تكلم فيه الواعظون، وكذا تحدث عنه من يهتم بمثل هذا النوع من العلوم الجليلة التي هي من علوم هذا القرآن.
هناك حالة ربما تحدث عنها البعض ولكنها ما زالت لم تأخذ حقها من العناية، وهي معرفة بيئة القرآن باعتباره كُلًّا واحدًا في شرائعه وحركته ومزاجه ومعانيه، هذه البيئة نستطيع أن نعرفها من خلال حركة الشخوص المهتدية في القرآن، ومن خلال النظر إلى أكثر ما يتحدث عنه القرآن وصفًا وحكمًا وتنشيطًا، هذه البيئة هي بيئة الجهاد في سبيل الله والدعوة إليه -جل في علاه-.