بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد بن عبد الله الأمين، وعلى آله الطيبين وعلى صحبه أجمعين. أما بعد؛
فمن طريقة القرآن التمهيد العلمي والنفسي لما يشق على النفوس قبوله، لأن مفاجأة الخلق داع إلى الرد والنفرة، أو إلى التوقف للتأمل من أجل العقل والفهم، والله -جل في علاه- يحب من عبيده إذا خاطبهم بأمر أن يتلقوه تلقي التسليم والقبول، لكن مع العلم والفقه، وهذا سنة تحقيقه التمهيد وعدم القذف به فجأة كما هو بيّن في سنن الوجود، والله تعالى مع أنه الرب العظيم، وهو الذي لا يسأل عما يفعل؛ إلا أنه يقيم لقوله حجج الحق، مع كفاية أنها منه لتعلم أنها الحق، إذ الحق أول طرق معرفته أنه صدر ممن هو تام الحكمة والعلم -جل في علاه-.
ما فائدة تكرر ذكر ما جرى في السماء من أحداث هي التي جرى عليها الوجود الإنساني في الأرض، في كون الشيطان عدوًّا للإنسان، ونزولهما معًا إلى الأرض لتقع الخصومة الأبدية بينهما؟
لقد تكرر سوق هذا الحدث في مواطن من القرآن كما في سورة البقرة، وسورة الأعراف، وسورة الحجر وسورة الإسراء وسورة طه وسورة ص، وفي كل سورة من الفوائد العظيمة التي اختصت بها تراها في السياق وفي تنوع الكلام الإلهي، وسبب هذا الفعل السماوي حتى يكون في ذلك العبرة للإنسان في مقدار خصومة هذا الشيطان، فإنه هو سبب خروج أبيه من الجنة، ومن تذكر هذا في كل موطن فلا بد أن يتخذه عدوًّا دائما في كل ما وسوس فيه، وكان الله -جل في علاه- قادرًا على أن يوجد هذه الخصومة بالخلق الأول دون هذا الحدث، ولكن الله تعالى يترفق بهذا الإنسان من أجل بلوغ الهدف والغاية في هدايته بأحسن الطرق وأرعاها لنفسه وقلبه.
وعندما أراد ربنا -جل في علاه- أن يغير القبلة في الصلاة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام؛ فإنه مهد به بقوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أو نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أو مِثْلِهَا} ، فهذا تعليل للنسخ، وتوصيف لواقعه،