وهي تمهيد لنسخ القبلة، ثم أعقبها تمهيدًا بقوله تعالى: {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} ، ثم أتى إلى ذكر بيان تمايز شريعة الرحمن المنزلة على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - عن شرائع غيره من الأمم، وأن ما كان يسعى إليه رسول الله من موافقة اليهود والنصارى طمعًا في إسلامهم لن يكون، ولذلك قال تعالى: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} ، وكأنه يقول له ربنا: إن ما تسعى إليه من طمع إدخالهم في دين الحق لن يكون، لأن مقصدهم لن ينتهي حتى تكون تابعًا لهم في دينهم، لا أن يلتحقوا ويهتدوا لهذا الدين الذي أتيت به، ولذلك وجب المغايرة لهم، ولذلك صار من هديه بعد ذلك أن يخالفهم لا أن يوافقهم، فكان تغيير القبلة كما سيأتي من هذا القبيل، وصار من الفقه وعلل الأحكام مخالفة أصحاب الجحيم، ثم جاء ربنا -جل في علاه- في بيان فضل هذا البيت ومكانه وقريته التي هو فيها، وذكر من بناه وخبره، وهذا في قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} ، وفي سياق ذكر بناء البيت من قبل النبيين العظيمين إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-؛ جاء ذكر دعائهما: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} ، وهذا خلال بنائهما له، مما يدل على ارتباط هذا النبي بهذا البيت الكريم، وبعد هذا التمهيد كله جاء إلى قوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} ، وقد تقدم هذه النسبة (السفه) في قوله تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} ، كما تقدم ذكر المشرق والمغرب كما نبه على ذلك من قبل، وكل ذلك ربط لحصول هذا الحكم الذي قال الله تعالى عنه: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} ، فحيث علم -جل في علاه- عظمها على النفوس فإنه مهد لها هذا التمهيد العظيم.
ومن صور هذا التمهيد ما علل تعالى سبب منع المشركين من الحج للبيت وإعلان البراءة، فإنه -جل في علاه- علل هذا بعلل عظيمة كما في سورة التوبة تستطيع تأملها واضحة جلية لك بالنظر إليها والتفكر فيها.
ثم تفكر في أن الله تعالى لم يذكر معجزة خلق عيسى -عليه السلام- من أمه الصديقة مريم بلا أب حتى مهد لها ولادة زوجة زكريا ليحيى -عليه السلام-، وذلك بأنه لم يذكر هذه الولادة المعجزة في القرآن إلا بعد ذكر معجزة ولادة يحيى كما في سورة آل عمران ومريم والأنبياء، ذلك بأن ولادة زوجة زكريا لا اتهام فيها أبدًا، وهي