بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛
يعيد الرجل الصالح تذكير قومه بالدار الآخرة، فهي مبتدأ الحديث وهي ختامه، فيقول لهم: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} ، وعماد دعوة الأنبياء وأتباعهم ربط الناس بالدار الآخرة، ذلك لأن هذا الدين لا يقوم أمره إلا بالإيمان بالغيب، والحديث عن الدار الآخرة مهما بدا للبعض غير مؤثر على نفوس الخلق الذين أشربت نفوسهم حب الدنيا إلا أنه في الحقيقة يهز هذه النفوس ويقرعها حتى لو بدا لك القلب قاسيًا غافلًا؛ ذلك لأن ذكر الجزاء الأخروي من نعيم وعذاب له حضوره في فطر الخلق، فإن خوطبت به قرعها وأثار فيها المعاني اللازمة لاتباع الحق، لكن النفوس النافرة تصارع فطرتها للبقاء في العصيان وليس العكس؛ فالفطر تستجيب لهذه الدعوة التي تتلاءم مع الجبلية الخلقية في البشر، وبمجرد قرعها بالتذكير تتذكر كما وقع مع قوم إبراهيم -عليه السلام- لما قال لهم: {فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} ، فماذا وقع لهم؟! إنها هزة العقل والفطرة حيث قال الله بعدها: {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} ، وهكذا تُحْدِث كلمات الإيمان فعلها في النفوس من أجل إقامة الحجة من النفس على النفس، وهو أبلغ ما يكون بلاغًا يوم القيامة، وذلك بأن تعرف الحق ثم هي تجاهد في عدم اتباعه، ولا يُحدث هذه الحجة إلا ما كان موافقُا للفطرة، ومنه الحديث عن يوم القيامة.
فهذا حديث لمن جربه مع الخصوم يعلم كم هو قوي مؤثر، وكم تكرهه النفوس النافرة عن الحق، حتى وهي تنكره في الظاهر، فلا تقل: كيف أخاطب من لا يؤمن بالآخرة خطاب التخويف من لقاء الله بعد الموت؟!
لا تقل هذا، بل ادعُ بدعوة الأنبياء واقرعهم بهذا الخطاب، فهو في الابتداء من باب إقامة الحجة الإلهية على الناس، وهو من باب آخر نقر فاعل على مكان له حضور في فطر الخلق علمه الله منهم، ومن أجل هذا جعله الله مدار دعوة الأنبياء جميعًا.