بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛
فإن أعظم معوقات الطلب العلمي والإرادي -وهو سبيل إبليس في صرف الناس عن طلب المعالي- إنما هي الأماني، وهي الظن أن نشوء الرغبات في النفس موصل للمطالب دون السعي إليها من خلال سبلها السننية التي جعلها الله أسبابًا لها، ورغبات النفس وأمانيها كثيرة، ولكن ليس كثرتها موصل للمراد بل السعي بالعمل هو الموصل، ولذلك قال تعالى في هذه السورة -أي النجم-: {أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى} ، وهذا سؤال استنكاري، فإن الله نفى أن تكون الأماني هي الكفاية في البلوغ، كما قال تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} ، والذين يظنون أنه بمجرد حدوث الأماني في النفس تقع في الوجود هم أهل الغفلة والوهم والجهالة، حتى لو كانوا أهل اعتقاد على الغيب صحيح، لأن عالم السنن في الدارين دلَّ على عدم وقوع شيء إلا بسبب قدري أو شرعي ملائم له، يعلم من خلال النظر أو الخبر، ولذلك جاء نفي أثر الأماني بعد ذكر ما تقدم من العلم والعدل، وهذا تقعيد رباني لأسس البحث والاعتقاد ووقوع الأفعال، وهو ربط الحوادث بأسبابها القدرية والشرعية، ومن أعظم مهلكات الإرادات -وهي من الأماني- التسويف، وهو باب الشيطان الأكبر في هذا الباب.
ثم جاءت السورة إلى باب آخر هو مفسد للعلم والعدل ألا وهو ظن شفاعة الغير لبلوغ المراد، فقال تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} ، ذلك لأن الكثيرين من البشر يظنون صلاح أنفسهم لبلوغ الغايات بسبب صلاح آبائهم لذلك، أو بسبب صداقتهم لنافع قد وصل لمراده في الطلب، فابن الشيخ عندهم شيخ كما ابن الصالح صالح، وابن العالم عالم، ويعلقون نجاتهم على غيرهم، وهذا شر إبليسي وقعت فيه قريش واليهود والنصارى وكثير من المسلمين، فلا يبلغ المرء في عمله ولا