بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
الفرادة الإنسانية هي التي تصنع أنوار الوجود، وبها يتم ترداد الله تعالى للملائكة قوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ذلك لأنهم يرون في هذا الإنسان غير ما قالوه فيه: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء} ، ومن خلال حضور صورة الإنسان الإيماني الذي لا يأبه بشيء من موانع الوجود لحضور إيمانه ولا لاتباعه للحق؛ تسير رحلة الإيمان وهي تتهادى بين الكثرة المعرضة كما قال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} .
في سورة غافر تقفز صورة الفرادة أمام طاغوت فريد في الوجود، وأمام ملك قاهر بين يديه، مدجج بالكذب والصولجان، ومتترس بالجنود والأعوان، هناك يبرز الإيمان في صدر رجل تبدأ رحلته مع الكتمان، كما قال تعالى: {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} ، ولا تلبث هذه القوة التي تأسره لأنها حق في نفسها، لا لمعونة خدع تؤثر فيها وتزينها، أن تتدفق بالكلمات، هي حروف إنسانية في ظاهرها، لكنها تحمل معاني الإيمان، والتي هي أرقى ما في الوجود جمالًا، وأعظم ما في التاريخ تأثيرًا، وأصدق ما نطقت به الألسن، وأعظم من مات الناس من أجله.
{وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} ، هذه الكلمات خرجت عندما تدفقت كلمات موسى قبلها يستعيذ بالله من مكر فرعون وجنده: {إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} ، فتحدث ذكرى الدار الآخرة عملها في نفسه، وموسى -عليه السلام- سيد الكلمة، ويحسن صرفها على وجه يلائم كبر المخالف، ويجعلها قذيفة تذهب ما في صدره من تعاظم كاذب، فكلماته نور فاضح لدواخل النفوس مع نفسها، فتأمل قوله للسحرة وهم يخططون لكيدهم ومكرهم: {وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} ، فهذه وإن كانت في صورة الكلمات؛ لكنها والله أشبه بالحمم وكرات النار وهي تسير إلى آذانهم فتزعزع القلوب لهولها، وتهد بنيان