الباطل فيها، فيخبرنا ربنا -جل في علاه- ما أحدثت هذه الكلمات وراء أسوارهم المنيعة وهم يسرون لأنفسهم الباطل: {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} ، وكما تصنع قنابل النار في الجموع من تفرق أحدثت هذا كله كلمات الكليم -عليه السلام-، حقًّا لقد استجاب الله دعاءه -عليه السلام- وهو يقول مناجيًا ربه: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي} لا يفهموه فقط، ولكن ليكون لهم مثالًا حاضرًا في قلوبهم أشد من حضور الموت عليهم، إنه الفقه بها.
كلمات هذا الرجل الصالح الوحيد من بني قومه تعلن انحيازه للحق، وتعيد لهم مقومات العدل في الوجود، وتنبههم على ما فيهم من غفلة أن ربهم الله، وهذه الكلمة التي كررها الكليم مرتين قاصدا وهو يقول: {بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ} ، ذلك لأن الخبيث لم ينازع الله تعالى في ألوهيته فقط لكنه قال لغروره: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} ، وفرعون يعلم معنى أن يقول الكليم والرجل الصالح أن الله ربنا، لأنها تعني في نهاية الصراع سقوط ألوهيته كما قالت له جموع الملأ التي تتقن التزلف والنفاق والضرب على وتر الطاغوت ليستجيب لمطالبهم: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ} ، فهم ليسوا حوله إلا ليخرجوا على ألسنتهم ما يقوله قلب الطاغوت، ليبدو للناس بعد ذلك أنه مستجيب لطلب الأمة وحاجاتها ونوازعها، كما قال لهم: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} ، فقد جعل قتله امتحانا لموسى -عليه السلام- في ادعائه ان له ربًّا آخر هو الله فقال الخبيث: {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} ، ثم هو ضرب على وتر مصالح الملأ في قلب صور أفعالهم الفاسدة: {يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} ، وكأن ما عليه هذا الطاغوت هو الإحسان أيما إحسان، والصلاح في أفقه الأعلى، وهي سيرة متبعة مع كل الطواغيت، إذ تأمل انحطاط قوم لوط وهم يعيدونه للقوانين والحق الذي يعيشونه عندما رفضوا عرضه بالزواج من بناته: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ} ، وأنت لك الحق أن تعجب كل العجب كيف لهؤلاء السفلة أن يجرؤوا نطق كلمة الحق الجميلة هذه على السنتهم السافلة القبيحة.
إنه منطق العهر السياسي والدستوري والقضائي في الوجود الذي يمثله هذا الملأ المسيطر القبيح.
هذه الكلمات: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ} تبين أن الكتمان بدأ بالانحسار، ذلك لأن المعركة هنا