فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛

والموطن الرابع من ذكر الجدال بالباطل من قبل الصادين عن القرآن وما أتى به الأنبياء في سورة المؤمن (غافر) هو قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .

تقدم صدر هذه الآية في الموطن الثالث من هذا الجدال المذموم، لكنه كان التالي لقوله تعالى: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا} ؛ فهو بيان لحال هذا الجدال في نفس أهل الحق، وهم من ينبغي الاعتناء بهم، ويكفي لبطلان هذا الجدال ما يكون في نفوس أهل الحق له من كراهة وإعراض عنه، والآن في هذه الآية كانت التالي لقوله تعلى: {إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ} ، وهذا وصف لحال المجادل، وهو زائد عن قوله تعالى عن نفوسهم: {لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ} ، وعلة هذا المقت الكامن في نفوسهم لنفوسهم هو المذكور هنا: {إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيه} ؛ ذلك لأن الكبر ابتداءً هو خلاف الفطرة البشرية، فالفطرة هذه مركبة على الفقر، وهو لا يتلاءم قط مع الكبر؛ إذ مدار الكبر على الامتلاء والاستغناء، والنفس تعلم حالها من الفقر الذاتي الذي لا ينفك عنها، ولذلك يحصل مقت المتكبر لنفسه لتضاد حقيقته مع ما يريده ويحمل نفسه عليه من الكبر الباطل، ولذلك يقول تعالى: {مَا هُمْ بِبَالِغِيه} ، فهذا كبر لا يمكن الوصول لحقيقته ولا لموجبه في نفس الخلق المركبين على الفقر والضعف والحاجة، ومن كانت هذه حقيقته وأصل خلقته؛ فكيف له أن يستوي أمره حتى يصبح غنيًا كاملًا، وبهذا الغنى يحق له الكبر في الوجود!

هذا لا يكون أبدًا، ولذلك هو يعاني الوصول ولا وصول، ويعاني التسلق على مقصد الوهم ليبلغه وما هو ببالغه، ومن كان هذا شأنه فهو في خال اضطراب وقلق، وتعب ونصب.

ثم إن من كان هذا شأنه فهو شيطان خبيث، يحاول جهده الدخول في صورة الرب الذي يعطي ويمنع، ويحيي ويميت كما هو شأن من قال لإبراهيم الخليل -عليه السلام-: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} ، وهذا هو أساس الطغيان والظلم والعلو بالفساد في الأرض، ومن كان هذا شأنه؛ فإن الناس معه مطالبون بقول: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت